في مؤتمر بالدوحة.. ضرورة إرساء نظام أمني خليجي بعيدا عن المقاربات الصفرية

افتتاح مؤتمر "نحو نظام أمني خليجي" الذي يقيمه مركز الجزيرة للدراسات ومركز دراسات الخليج بجامعة قطر (الجزيرة)
افتتاح مؤتمر "نحو نظام أمني خليجي" الذي يقيمه مركز الجزيرة للدراسات ومركز دراسات الخليج بجامعة قطر (الجزيرة)

محمد الشياظمي-الدوحة

 
إذا كانت جميع المؤشرات تؤكد حاجة الخليج لنظام أمني جديد في ضوء التحديات الإقليمية والدولية التي تعصف به، فإن هذا يستدعي التخلص من المقاربات الصفرية، وإعادة فهم المنطقة والجوار الذي تعيش فيه، وبناء خطاب سياسي قادر على استيعاب السياقات والتحولات الطارئة. 

كانت هذه خلاصة اليوم الأول لمؤتمر ينظمه مركز الجزيرة للدراسات بالتعاون مع مركز دراسات الخليج بجامعة قطر -على مدى يومين- بعنوان "نحو نظام أمني خليجي جديد.. الخروج من المقاربات الصفرية" بحضور باحثين وأكاديميين من قطر وخارجها.

وإلى جانب تشخيص الحالة الأمنية الراهنة التي تعيشها منطقة الخليج وما يعصف بها من أزمات، يبحث المؤتمر أيضا التهديدات التي تواجهها، والترتيبات الأمنية في الخليج وأنماطها، وقضايا الأمن الاقتصادي وحماية خطوط الإمداد، وتداعيات النزال الإيراني الأميركي على دول المنطقة، ودور قوى إقليمية مثل تركيا.

وتعيش المنطقة الخليجية اليوم أزمات بلغت مستوى عاليا من العدائية، خاصة بعد حادث اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني في بغداد، وما أعقبه من قرع طبول الحرب، في ظل بلوغ حالة انسداد سياسي بشأن كثير من قضايا المنطقة.

وفي جلسة أولى بعنوان "النظام الخليجي وموقعه في النظام الدولي" حاول مدير مركز دراسات الخليج بجامعة قطر محجوب الزويري تشخيص ما تعيشه المنطقة من تحديات خطيرة، وقال إن التوتر يبقى سيد الموقف في ظل اشتعال أزمات اليمن والعراق والنزال الأميركي مع إيران.

الحاضرون ناقشوا سبل إرساء نظام خليجي جديد لمواجهة التحديات (الجزيرة نت)

وصنف الزويري أربعة تحديات تخيم على منطقة الخليج منذ العقدين الأخيرين لها علاقة بالاستقرار السياسي وتتدحرج مثل كرة لهب، أولها عدم القدرة على تحديد مصدر التهديد وتمييز العدو من الحليف، والثاني يتعلق بدخول لاعبين جدد كالمليشيات المسلحة، حتى باتت فاعلا في تحقيق الاستقرار الأمني.

أما التحدي الثالث -يضيف الزويري- فيتعلق بالانفتاح التكنولوجي والتطور المعرفي وكيفية التعامل مع السيولة الحاصلة في المعلومات، والتحدي الرابع مرتبط بحالة الفوضى التي يعيشها النظام العالمي.

وخلال الجلسة طرحت أسئلة عديدة من قبيل: ما موقع النظام الخليجي؟ وما دوره في معادلة الصراع الدولي اليوم؟ وماذا حققت التحالفات الخليجية؟ ولماذا أخفقت الأموال الخليجية في حفظ أمن الخليج؟

وهنا تطرق أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر محمد المسفر إلى تاريخ التحالفات الخليجية معتبرا أنها أخفقت في تحقيق أمن المنطقة، وحتى قوات درع الجزيرة لم تستطع حماية دول الخليج ولم تحسم أي صراع، ما عدا تدخلها في البحرين عام 2011، وإن كان تدخلها منقوصا لعدم مشاركة جميع الأعضاء.

وبعد أن تساءل المسفر عن كيفية الخروج من المأزق الأمني، أجاب بأن ذلك يكون ببناء جبهة داخلية خليجية، وتفادي صراعات داخلية بين الدول، وبعث هيبة المنطقة ومكانتها الإستراتيجية، وكل ذلك على أساس المساواة بين المواطنين واحترام الحريات، واحترام استقلالية السلطة القضائية، وانتخابات أنظمة برلمانية، وإنشاء صناعة عسكرية متطورة، وعدم التدخل في السياسات الداخلية للدول، وعدم التورط في صراعات خارج الإقليم، وعدم الاعتماد على القوة العسكرية الخارجية.

المنظومة الأمنية الراهنة فشلت حسب الباحثين في حماية المنطقة من التهديدات (الجزيرة نت)

أفول الحماية الأميركية
وإذا كانت الولايات المتحدة قد زادت نشر قواتها في المنطقة، إلا أن تأثيرها في حل النزاعات قد تآكل، ولم يعد بمقدورها ترجمة قوتها العسكرية إلى سياسية، وتمثل هذا في قضايا عديدة كحرب اليمن والأزمة الخليجية وحصار قطر.

وهنا تحدث أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت شفيق الغبرا بأن أميركا في عهد الرئيس دونالد ترامب فقدت صفة القيادة، وأن إخفاقاتها ساهمت في صعود الصين وبروز تحالفات جديدة في منطقة الشرق أوسط.

وخلص الغبرا إلى أن الشعوب العربية تمر بمرحلة جديدة، والخليج يحتاج لتغيير تحالفاته الخارجية وتبني إصلاحات سياسية والاستعداد لعصر ما بعد النفط وما بعد الولايات المتحدة، لأن هامش المفاجآت كبير في حال أعيد انتخاب ترامب، والتعاطي مع النظام الإيراني بالحوار، لأن الرهان على تغييره أو إسقاطه من خلال العقوبات مجرد وهم، ولا تزيده إلا صمودا ووحدة وطنية. 

وبعد أن ذكرت أن التصعيد الخطير بين أميركا وإيران يهدد الأوضاع العامة بمنطقة الخليج، دعت خبيرة الشؤون الخليجية بوزارة الدفاع الفرنسية فتيحة دازي هاني دول الخليج لإعادة التفكير في نظام أمني جديد للمنطقة، بدءا بالمستوى المحلي وصولا إلى مأسسة العلاقات بين دول الخليج.

وفي إشارتها إلى أن الأمن بالمنطقة يحتاج إلى قواعد متينة، أكدت أن الأزمة الخليجية الحالية ينبغي أن تكون فرصة لاستخلاص الدروس والعبر، وأن الدول الصغرى والمتوسطة عليها المحافظة على توازنها، كما أن أي اتفاق سعودي إيراني من شأنه تخفيض التوتر بعد الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو، وهو مسعى لكافة دول الخليج، إذ إن التحالفات العسكرية الحالية لدول الخليج مع الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية لم تعد مصدر أمان.

مقاربة أمنية جديدة
لكن، لماذا لم تنجح دول الخليج في إرساء بنية دفاعية مشتركة ضمن منظومة متكاملة؟ هنا يوضح أستاذ المنظمات الدولية بجامعة قطر إبراهيم سعيدي أن السبب في ذلك يرجع لغياب الرؤية السياسية لدول الخليج، وعدم الاتفاق على مصادر التهديد.

وقال إن هناك خللا بنيويا في التفكير الإستراتيجي لدول مجلس التعاون منذ التأسيس، حيث نذكر أن أول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي عبد الله بشارة قال وقتها إن تأسيس قوة عسكرية خليجية جاء لمواجهة التهديد الإيراني وسينتهي بانتهائه، وهذا يبرهن على أنه لم تكن لدى دول الخليج رؤية بعيدة المدى لطبيعة التحولات التي قد تعيشها المنطقة، أو حساسية موقعها في النظام العالمي. علما بأن تلك القوة العسكرية كانت برية فقط، ولم تتعد خمسة آلاف عسكري، ولا تضم وحدات جوية أو بحرية، وهذا أحد أكبر مكامن خللها.

وقد ألقى المؤتمر الضوء على تهديدات أخرى لا تقل خطورة مثل الحروب السيبرانية، وهنا تحدث أستاذ دراسات الأمن السيبراني بكلية قطر محمد الدوراني عن أنها لا تقل خطورة عن الحرب التقليدية، وأن الدول حول العالم تتحمل تكاليف مالية كبرى لحماية أنظمتها من البرمجيات الخبيثة، وبما أن الخليج مهدد بحروب إلكترونية، فهناك حاجة اليوم لتطوير منظومات حماية خليجية لمواجهة التحديات.

وخلال اليوم الثاني من أعمال المؤتمر الذي يستمر حتى يوم الغد، ستعقد أربع جلسات بحثية وتتناول: الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج، الخليج والنزال الأميركي، تركيا والأمن الخليجي، محور نحو نظام أمني خليجي جديد. ويشارك في جلسات الغد باحثون ومتخصصون من إيران وتركيا بالإضافة إلى الباحثين العرب.

المصدر : الجزيرة