تبون يطلب قانونا عاجلا.. لماذا تنامى خطاب الكراهية في الجزائر؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمر بإعداد قانون ضد خطابات الكراهية والعنصرية (الجزيرة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمر بإعداد قانون ضد خطابات الكراهية والعنصرية (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

في حادثة غير مسبوقة بالجزائر، أمر قاضي التحقيق لدى محكمة المسيلة (237 كلم جنوب شرق العاصمة)، قبل أيام، بإيداع الشاعر رابح ظريف رهن الحبس المؤقت، بسبب تدوينة على فيسبوك تتهم أحد قيادات الثورة البارزين بالخيانة والعمالة لفرنسا.

وكانت السلطات أنهت بداية الأسبوع مهام المعنِيّ، بصفته مديرا للثقافة بالمدينة، قبل أن يوجه له القاضي جنحة الإضرار بالمصلحة الوطنية والمساس بسلامة وحدة الوطن.

وتأتي الواقعة التي أثارت جدلا كبيرا في سياق تصاعد ملحوظ جدا لمؤشرات الكراهية التي برزت ضمن خلافات مسار الحراك الشعبي في أشهره الأخيرة إلى غاية الاستحقاق الانتخابي يوم 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وتبلورت أخيرا في صورة خطابات جهوية وعنصرية عبر مواقع التواصل، تستعدي صراعات الماضي ورموز التاريخ وأسئلة الهوية والجغرافيا بشكل وجودي، وفق ثنائية العرب والأمازيغ.

واستدعى الأمر تدخل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حيث وجّه تعليمات للحكومة بإعداد مشروع قانون عاجل للتجريم، وجاء في بيان الرئاسة أن "الإجراء يأتي بعدما لوحظ ازدياد خطاب الكراهية والحث على الفتنة".

صدى المبادرة
وتباينت ردود الفعل وسط النخبة إزاء مبادرة الرئيس، حيث دوّن الصحفي قادة بن عمار على فيسبوك "المشكلة لم تكن أبدا في القوانين بل في استعمالها وكيفية تطبيقها، (فـ) قانون مهم مثل تجريم العنصرية وخطاب الكراهية لن يكون مجديا دون توفير آليات حقيقية وضمانات ملموسة لاستقلالية العدالة".

واعتبر الكاتب لخضر رابحي أنّ "سنّ قانون للحدّ من الكراهية معالجة خاطئة، لأنّ بعض الحالات الشاذة لا تمثل الشعب الجزائري"، راجيا أن "يتم إلغاؤه فهو سبّة للجزائر وتاريخها".

غير أنّ حسان علي لكحل ظهر مستبشرا بالمبادرة فكتب "قانون محاربة العنصرية المقترح هو أول خطوة لمحاربة الكراهية وزيادة (وإثراء) التعايش، (و) سيرفع الحماية على المتمادين في زرع الشقاق بين أبناء الوطن".

‪بوبيدي: الاحتلال الفرنسي عمل على إنشاء تمايز مناطقي يستند إلى اللغة‬ بوبيدي: الاحتلال الفرنسي عمل على إنشاء تمايز مناطقي يستند إلى اللغة (الجزيرة)

مشروع فرنسي
وفي مقاربة الظاهرة تاريخيا وسوسيولوجيا (واجتماعيا)، قال المؤرخ حسين بوبيدي، إنّ الاحتلال الفرنسي عمل على إنشاء تمايز مناطقي يستند إلى الخلفية اللغوية، ليؤسس وهم الانقسام الاثني، عبر تكوين فئة ذات ثقافة أجنبية تتبنى هذه المفاهيم.

وأوضح في تصريح للجزيرة نت، أن هذا التوجه بقي ضعيفا حينها بسبب قدرة الخطاب الإسلامي الجامع لمؤسستي المسجد والزاوية، وجهود العلماء ونضال رجالات الحركة الوطنية في تأطير الشعب الجزائري.     

أما بعد الاستقلال، فإنّ خطاب الشرعية الثورية للدولة الناشئة تحول تدريجيا إلى إنتاج مقولات تنتصر للانتماءات الضيقة، لأجل إبراز فاعليتها الثورية بما يؤهلها لاستحقاق السلطة، "حتّى تحول السجال الهوياتي إلى مطيّة سياسية واحتراب بين مكونات الهوية، وتجاوز الأسس الجامعة نحو الخصوصيات المفككة"، بحسب بوبيدي.

واعتبر أنّ الخطابات الهوياتية للسياسيين والمثقفين من أجل التموقع، نقلت الأزمة تدريجيا إلى عموم الناس، حيث أصبح بعضهم يتبنى فكرة تعدد الأعراق والهويات، والتي كانت منطلقا استدماريّا (لا استعماريا) عجزت فرنسا عن تحقيقه، ليتبناه ضحايا الوهم في الجزائر المستقلة، على حدّ تعبيره.

‪حنطابلي: خطابات الكراهية لا تدعو للقلق والجزئر تؤسس لذاتها الاجتماعية‬ (الجزيرة)

الذات الجماعية
غير أنّ عالم الاجتماع يوسف حنطابلي يؤكد أن خطاب الكراهية في النقاش الجزائري العام أكثر حضورا وبروزا على مواقع التواصل منه في الواقع الاجتماعي المباشر.

وقال في تصريح للجزيرة نت، إنّ نقاش الهوية يجرّ معه المشاحنات والتشنجات وحتّى الانزلاق نحو نفي الآخر بخطاب تجريحي، يُبرز دوافع الكراهية ورفض الاختلاف.

واعتبر ذلك "وليد الحفر في الذاكرة الجماعية والمخيال (التأويل) الاجتماعي الذي يطفو على السطح كلما تهيّأت فرص النقاش العام، وخاصة على مواقع التواصل التي أضحت بديلا عن فضاءات الجامعة والساحات العمومية".

ولاحظ المتحدث أن الفضاءات التقليدية للمواطن أكثر تسامحا في طبيعة نقاشاتها مع الآخر من الوسائط الافتراضية التي لا تتحكم بها القيم الواقعية المباشرة، مثل دخول الفرد بشخصية مستعارة أو عدم شعوره بالمسؤولية القانونية.

ومهما يكن، فالأمر لا يدعو للقلق على اللحمة الاجتماعية -حسب حنطابلي- حيث "أثبت الحراك ذلك من خلال قبول الآخر في المسيرات العامة وسلمية المطالب، رغم أن كل فئة قد يكون لها تصورها الخاص حول مسار العملية السياسية".

وأردف بأنّ الجزائر تمر بمرحلة تحسّس لذاتها (تعرف إلى ذاتها) الاجتماعية واكتشاف تمفصلاتها (تمايزاتها) الجهوية والعرقية والثقافية، من خلال استرجاع وتحيين ذاكرتها، وعليه "من الطبيعي أن يكون ذلك مصحوبا بمظاهر قد تبدو سلبية، ولكنها ستتحول بعد الاستقرار إلى رصيد لتأسيس الذات الجماعية التي ندخل بها معترك الرهانات المستقبلية"، على حد تعبيره.

‪براهيمي: القانون الجزائري يجرم كافة سلوكات الكراهية‬ (الجزيرة)

تطبيق القانون
من جهة أخرى، أرجع الحقوقي حسان براهيمي تفشّي الظاهرة إلى ضمور دور الدولة في التوجيه، وكذا انعدام الرقابة على وسائل الإعلام الجديدة.

واتهم براهيمي نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بالتواطؤ، حيث استمرت الأجهزة الحكومية في لعب دور المراقب، مما جعل مواقع التواصل الاجتماعي حلبة لنشر الكراهية والحض عليها بين مختلف الجهات، حتى وصل الموقف إلى الفتنة بين السكان، مثلما حصل في أحداث مدينة غرداية.

وعن جدوى القانون المرتقب للرئيس، أوضح براهيمي أنّ التشريعات الجزائرية السابقة -التي ظهرت في 2001 وتم تشديدها في 2006- لم تكن لديها قوة الردع التي تسمح بالقضاء على الظاهرة ومكافحتها.

وأشار في تصريح للجزيرة نت إلى أن قانون العقوبات يجرّم القذف بسبب الانتماء إلى مجموعة عرقية أو مذهبية أو إلى دين معين، كما يعاقب على الإساءة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وجميع الأنبياء (عليهم السلام) أو الاستهزاء بالمعلوم من الدين بالضرورة، أو بأية شعيرة من شعائر الإسلام، سواء عن طريق الكتابة أو الرسم أو غيرها.

وتابع براهيمي أنّ الجزائر تجرّم كذلك التمييز على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني أو الإعاقة، ولكن -حسب قوله- "لم نسمع بتطبيق تلك القوانين إلا نادرا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى تعديل قانون العقوبات بما يسمح باستبدال المؤبد بالإعدام، واستهجنت بشدة ازدياد النطق بعقوبة الإعدام من طرف القضاء خلال العام الماضي.

7/4/2016
المزيد من أنظمة حكم
الأكثر قراءة