رسالة أثارت الجدل.. ماذا طلب الرئيس التونسي من الأحزاب؟

قيس سعيّد في مكتبه بقصر قرطاج (مواقع تواصل)
قيس سعيّد في مكتبه بقصر قرطاج (مواقع تواصل)

آمال الهلالي-تونس

بعد أن عادت للرئيس التونسي قيس سعيد مهمة اختيار شخصية لتشكيل الحكومة، إثر فشل التشكيلة المقترحة من قبل حركة النهضة في نيل ثقة البرلمان، وجه الرئيس رسالة إلى الأحزاب والكتل البرلمانية يطالبهم فيها باقتراحات مكتوبة حول الشخصية التي يرونها الأقدر لهذه المهمة.

وعلى خلاف ما جرى من مشاورات مباشرة مع قيادات الأحزاب والشخصيات السياسية التي اعتمدها رئيس الحكومة المكلف السابق الحبيب الجملي في اختيار تركيبة وزرائه، ارتأى سعيد أن يكون تعامله مع الأحزاب عبر الرسائل، وهو ما طرح أكثر من سؤال حول دواعي هذه الخطوة.

ودعا الرئيس -في رسالة حملت إمضاءه- الكتل البرلمانية والأحزاب لتقديم مقترحاتهم مكتوبة حول الشّخصيّة أو الشّخصيات الّتي يرون أنّها الأقدر لتكوين حكومة، مع بيان دواعي هذا الاختيار والمعايير الّتي تمّ اعتمادها في ذلك، على أن يكون ذلك في أجل قريب لا يتجاوز 16 من الشهر الجاري.

وينص الفصل 89 من الدستور على أنه في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية خلال عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر على تكوين حكومة في أجل لا يتجاوز شهرا.

وفي حال مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، فلرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه 45 يوما وأقصاه تسعون يوما.

لأول مرة
وكانت الحكومة التي اقترحتها حركة النهضة -باعتبارها الحزب الأول الفائز بالانتخابات التشريعية- قد فشلت في نيل ثقة البرلمان في سابقة لم تعرفها الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، لتمرر المبادرة دستوريا إلى رئيس الجمهورية لاختيار الشخصية الأقدر لتشكيل الحكومة.

وذهب كثير من النشطاء والوجوه السياسية للقول إن دعوة سعيد الأحزاب -لتقديم مقترحاتها حول شخصية رئيس الحكومة المقبل بشكل مكتوب ومعلل- بمثابة الإجراء الاحترازي بعد أن ضاق الرجل ذرعا بمناورات الأحزاب وازدواجية مواقفها في السر والعلن وانعدام ثقته في المنظومة الحزبية برمتها.

وأقر الرئيس في أكثر من خطاب بفشل النظام السياسي الحالي في حل الأزمات التي تمر بها البلاد، داعيا إلى ضرورة تعديل الدستور والقانون الانتخابي الذي أفرز مشهدا برلمانيا مشتتا وهجينا. 

وسبق أن جرت مشاورات الجملي مع الأحزاب، في مناخ غلب عليه التوتر وانعدام الثقة والتلاسن بين قيادات الأحزاب، ليحمل كل منهم مسؤولية سقوط الحكومة السابقة.

ووصل الأمر حد ترذيل المشاورات الطويلة التي قادها الجملي، حيث خرجت بعض القيادات الحزبية عبر وسائل الإعلام متهكمة على مادار بينها وبين الرجل، ووصلت حد الحديث عن "عزومات شاي" قدمها الجملي لضيوفه.

موقف سابق
واعتبر المحلل السياسي بولبابة سالم أن دعوة سعيد الأحزاب لتقديم مرشحها بشكل مكتوب ومعلل نابع من موقف سابق له من الطبقة السياسية برمتها والتي يعتبرها أحد أسباب نكبة التونسيين بعد أن خيبت آماله في أكثر من مناسبة.

وتابع "يبدو أن هذه الخطوة التي اعتمدها الرئيس قد أحرجت الأحزاب ووضعتها أمام مسؤولية سياسية جسيمة، من خلال التزامها كتابيا، مما يمنع لاحقا أي تنصل أو مراوغة لتكون الحجة على من ادعى أمام التونسيين".

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن سعيد وجد نفسه أكثر من مرة معزولا في وقت كانت فيه الأحزاب تتصارع على التموقع السياسي وتملي شروطها، وعاش مناكفات الأحزاب وتملصها من المسؤولية السياسية خلال مشاركته في مشاورات تشكيل حكومة الجملي التي أجهضت في البرلمان.

وشدد على أن الرئيس من خلال تحديده آجالا للأحزاب -لا ينبغي تجاوزها في تقديم ترشيحاتهم مكتوبة- نابع من حرصه على ضرورة التسريع في تشكيل الحكومة بعد إهدار نحو شهرين من المفاوضات الفاشلة بين الأحزاب في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ملحة.

وكانت عدة أحزاب قد أعلنت انطلاقها في مشاورات داخلية وبين الكتل التي تتقارب معها في المواقف والرؤى لصياغة موقف موحد حول الشخصية المقترحة لرئاسة الحكومة.

وبهذا الخصوص أكد عياض اللومي القيادي في "قلب تونس" أن الحزب تلقى كغيره من الأحزاب الرسالة التي وجهها الرئيس.

وقال اللومي للجزيرة نت إن الفصل الدستوري المتعلق بمشاورات رئيس الجمهورية مع الأحزاب جاء مبهما ولم يحدد طبيعة هذه المشاورات وآلياتها، لافتا إلى أن الكرة الآن باتت بملعب الرئيس في تشكيل الحكومة واحترام آجالها.

واستبعد أن تكون دعوة سعيد للأحزاب -لتقديم مقترحاتها بشكل مكتوب ومعلل- محرجة لهم أو لغيرهم من الكتل، مثنيا على رغبة الرئيس في تسريع خطوات تشكيل الحكومة وترك أثر كتابي لتحميل الجميع مسؤولياته أمام الشعب.

خرق للدستور
وقال ياسين العياري النائب عن حركة "أمل وعمل" إن الدستور ينص على التشاور والتفاعل بين رئيس الجمهورية والأحزاب فيما يتعلق بمشاورات تشكيل الحكومة واختيار الشخصية الأقدر، معربا عن أمله في أن تكون رسالة سعيد للأحزاب هي خطوة أولى بانتظار لقاءات أخرى وجها لوجه للنقاش.

وحذر في تصريح للجزيرة نت من مغبة خرق الرئيس لما نص عليه الدستور من مشاورات بينه وبين الأحزاب والكتل البرلمانية، والاكتفاء بإخطارها عبر رسائل مكتوبة، وهو ما يمكن أن يخلق مناخا من انعدام الثقة بين جميع الأطراف.

ونوه العياري إلى أن حزبه انطلق فعليا في مشاورات داخلية بين قواعده لاختيار الشخصية الأقدر لتولي رئاسة الحكومة.

ومن جانب آخر تفاعل نشطاء منصات التواصل مع خطاب الرئيس للأحزاب، واصفين إياها بأنها "ضربة معلم" نابعة من غياب ثقته في الأحزاب والطبقة السياسية وقدرتها على المراوغة.

المصدر : الجزيرة