الوجود العسكري الأميركي بالشرق الأوسط.. حسابات الربح والخسارة

قوات أميركية أثناء تدريبها قوات عراقية في منطقة تاجي العراقية (رويترز-أرشيف)
قوات أميركية أثناء تدريبها قوات عراقية في منطقة تاجي العراقية (رويترز-أرشيف)

محمد المنشاوي-واشنطن

جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيداع الحكومة السعودية مليار دولار مقابل إرسال قوات أميركية لها، عقب التوتر الذي شهدته المنطقة بسبب تصفية واشنطن الجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ لتلقي الضوء على تكلفة وجود القوات الأميركية في الخارج.

وكان الرئيس ترامب أشار في عدة مناسبات إلى أن السعودية ستدفع أربعمئة مليار دولار في صفقات جديدة مع بلاده، لكن الكثير من الخبراء اعتبروا أنه (ترامب) يبالغ في حجم الصفقات مع الرياض.

ويرى المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية بروس ريدل، الذي يعمل حاليا في معهد بروكينغز بواشنطن؛ أن الصفقات التي تحدث عنها ترامب هي مجموعة من الرسائل غير الملزمة، وتعكس رغبات في عقد صفقات لشراء أسلحة في المستقبل.

ولم يختلف شراء السعودية الأسلحة من الولايات المتحدة كثيرا عما كان عليه أثناء حكم الرئيس السابق باراك أوباما، حيث اشترت الرياض أسلحة بقيمة 112 مليار دولار.

قوات أميركية بقاعدة عسكرية في الكويت (رويترز)

تكلفة وانتشار
وتنشر الولايات المتحدة ما يقرب من مئتي ألف عسكري أميركي في مئات القواعد العسكرية في العديد من الدول حول العالم، وذلك رغم تعبير الرئيس ترامب المتكرر عن رغبته في إعادة الجنود الأميركيين إلى أرض الوطن.

وفي تناقض مع دعوة ترامب لانسحاب قوات بلاده من حروب الشرق الأوسط التي يراها بلا نهاية، عرفت القوات الأميركية في الشرق الأوسط زيادات كبيرة في أعدادها منذ وصول ترامب للحكم قبل ثلاث سنوات.

وأشارت دراسة صادرة عن معهد واطسون للشؤون الدولية بجامعة براون أن دافعي الضرائب الأميركيين تحملوا عبء إنفاق 6.4 تريليونات دولار على حروب الشروق الوسط وآسيا منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وأشارت الدراسة إلى مقتل 801 ألف شخص نتيجة الحروب في دول الشرق الأوسط، منهم 335 ألف مدني، كما اضطر 21 مليون شخص للنزوح من مدنهم وقراهم بسبب أعمال العنف.

ولا تقتصر تلك التكلفة على نفقات وزارة الدفاع، بل تشمل كل الجهات الحكومية الأميركية الأخرى مثل وزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات وغيرهما.

وطبقا للقيادة العسكري الأميركية الوسطى -التي تتخذ من مدينة تامبا بولاية فلوريدا مركزا رئيسيا لعملياتها التي تمتد من مصر حتى أفغانستان- يوجد ما بين ستين وسبعين ألف عسكري أميركي في الشرق الأوسط في الوقت الراهن.

تغطية وشروط
وذكر المسؤول السابق بالاستخبارات الأميركية والأستاذ حاليا بجامعة بوسطن جلين كارل للجزيرة نت أن "الكثير من الدول تتكفل بتغطية الجزء الأكبر من تكلفة تواجد القوات الأميركية، كما هي الحال في حالة كوريا الجنوبية واليابان وبعض دول الشرق الأوسط".

وعن العراق، قال كارل إنه "من غير الواضح أن الحكومة العراقية تتكفل بتغطية تكلفة القوات الأميركية هناك".

وكان الرئيس ترامب اشترط أن تدفع الحكومة العراقية مليارات الدولارات استثمرتها بلاده في بناء القواعد التي صوت البرلمان العراقي على إخراج قواته منها.

وذكر المسؤول ذاته أنه "لا يتصور أن تنسحب قوات بلاده من العراق وبقية الشرق الأوسط في أي وقت قريب، إلا إذا قرر الرئيس ترامب غريب الأطوار ذلك".

وكانت تطورات الأوضاع في العراق التي شهدت قيام واشنطن بتنفيذ هجمات نتج عنها مقتل الجنرال قاسم سليماني وعدد من كبار قادة مليشيات الحشد الشعبي العراقية؛ دفعت إلى أن يصوّت البرلمان العراقي لإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية.

ترامب:  على الدول العربية أن تبدأ الدفع مقابل توفير مظلات وحماية أمنية لدولهم (الأناضول)

الدفع أولا
وكان الرئيس الأميركي اعتمد في حملته الانتخابية على خطاب مضمونه أن دول الشرق الأوسط ودول حلف الناتو تستغل الولايات المتحدة، وتعهد بانسحاب قوات بلاده من صراعات الشرق الأوسط، وهو ما لا يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وجاء قرار نشر ترامب المزيد من القوات الأميركية في السعودية ليزيد ارتباك المراقبين تجاه مواقف وقرارات وأهداف واشنطن وترامب.

وهدف ترامب إلى القول إن "على الدول العربية أن تبدأ الدفع مقابل توفير مظلات وحماية أمنية لدولهم"، كما يرى ديفيد دس روش، الخبير العسكري بمركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا بجامعة الدفاع الوطني الأميركية.

وذكر روش للجزيرة نت أن "الولايات المتحدة تخسر الكثير من الأموال نتيجة تواجد قواتها في الشرق الأوسط، وتعد عملية إرسال قوات للمنطقة مكلفة للغاية، ولا يمكن لأي دولة في العالم القيام بذلك باستثناء الولايات المتحدة".

وأضاف روش "نحن لم نعد نستورد النفط من الشرق الأوسط، وأسطولنا الذي يكلفنا الكثير من الأموال نتيجة مهامه في الخليج لتأمين مرور تجارة الغاز والنفط العالمية لضمان الوصول للصين واليابان. مهمتنا تدعم مصالح حلفائنا الإستراتيجيين ولا نحسبها بمعادلات الربح والخسارة المادية".

ويقول روش إن ترامب لا يريد أن تدفع واشنطن ثلاث مرات في القضية نفسها؛ دفعنا عندما قمنا بغزو العراق، ودفعنا عندما عدنا عام 2014 لقتال تنظيم الدولة، ولا يريد ترامب الدفع للمرة الثالثة كونه رجل أعمال في حال اضطررنا للعودة للعراق بعد انسحابنا لو عاد تنظيم الدولة. ويروج ترامب لضرورة وقف الإنفاق الأميركي على حماية شعوب دول أخرى.

المصدر : الجزيرة