بعد فشل الجملي.. أي حظوظ للنهضة في "حكومة الرئيس"؟

من اجتماع أول أمس السبت بين سعيد (يمين) والغنوشي (الجزيرة)
من اجتماع أول أمس السبت بين سعيد (يمين) والغنوشي (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

تحولت جلسة منح الثقة للحكومة المقترحة أمام البرلمان التونسي يوم الجمعة الماضي إلى ما يشبه "المحاكمة" لحركة النهضة بعد فشل حكومة الحبيب الجملي في نيل الثقة، مما جعل أوساطا سياسية تتحدث عن سيناريوهات محتملة لسحب البساط من النهضة في ما باتت تعرف بـ"حكومة الرئيس".

وشهدت الأيام الماضية تطورات ملفتة عقب الإعلان عن تكتل أحزاب ذات أغلبية في البرلمان من قبل زعيم حزب "قلب تونس" نبيل القروي، فضلا عن دعوة "الحزب الدستور الحر" سليل النظام السابق لسحب الثقة من  راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) زعيم حركة النهضة.

وتأتي هذه المستجدات بعد فشل حكومة الجملي في نيل ثقة البرلمان، إذ لم تحظ سوى بدعم حركة النهضة (54 مقعدا) وائتلاف الكرامة (18 مقعدا)، في حين كان عليها الحصول على 109 أصوات على الأقل من جملة 217 نائبا، مما جعل حركة النهضة وائتلاف الكرامة في "عزلة"، وفق مراقبين.

جبهة برلمانية
ورغم أن حركة النهضة سعت إلى حشد التأييد لتمرير حكومة الجملي مسنودة بائتلاف الكرامة فإنها وجدت صدا من قبل جميع الكتل البرلمانية الأخرى، بينها بعض المستقلين.

وتلا إسقاط حكومة الجملي إعلان نبيل القروي زعيم حزب قلب تونس الفائز بالمركز الثاني في الانتخابات التشريعية (38 مقعدا) عن جبهة برلمانية تضم 93 نائبا، وقال إنها ستضم كل من حزبه وحزب تحيا تونس (14 مقعدا) وكتلة الإصلاح الوطني (15 مقعدا) وكتلة المستقلين وغير المنتمين للأحزاب.

وقال القروي إن إعلان هذه المبادرة جاء بالتنسيق بين حزبه وكتل أخرى مثل حزب تحيا تونس الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي يوسف الشاهد وكتلة الإصلاح الوطني بهدف توحيد صف العائلة الوسطية المشتتة وتقديم مبادرة موحدة للرئيس التونسي بشأن تشكيل الحكومة.

انقلاب الموازين؟
ويرى المحامي والمحلل سمير عبد الله أن ميلاد هذه الكتلة البرلمانية سيقلب موازين القوى داخل البرلمان لصالح العائلة الوسطية باعتبارها ستصبح أكبر كتلة من حيث العدد، معتبرا أن ذلك يشكل ضربة قوية لحركة النهضة باعتبار أن كتلتها وكتلة ائتلاف الكرامة الداعمة لها لا تتجاوزان 72 مقعدا.

وأكد أن حركة النهضة ستكون "الخاسر الأكبر" بعد ميلاد جبهة برلمانية موحدة تجمع الأحزاب الوسطية، معتبرا أن هذه التغيرات لا تصب في مصلحة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الذي يواجه انتقادات حتى من داخل حركة النهضة، حيث ستكون معركة خلافته في مؤتمر الحركة المقبل مستعرة، وفق قوله.

وحسب المتحدث، يعمل الحزب الدستوري الحر سليل النظام الحاكم السابق (17 مقعدا) على جمع 73 توقيعا للنواب لتمرير عريضة لسحب الثقة من الغنوشي بهدف إقصاء ما سماه "الإسلام السياسي" من على رأس البرلمان، وهذه المعركة أصبحت بمثابة صراع وجودي لهذا الحزب، حسب قوله. 

ويعيد إسقاط حكومة الجملي بعد مرور شهرين كاملين على انطلاق المفاوضات الأولى خلط الأوراق من جديد في المشهد السياسي، حيث أصبح الرئيس التونسي قيس سعيد مسؤولا على تكليف رئيس حكومة جديد في أجل 10 أيام طبقا للدستور بعد التشاور مع الكتل البرلمانية والأحزاب.

حظوظ النهضة
في المقابل، يرى النائب عن حركة النهضة محمد القوماني أن حركة النهضة ستظل حزبا رئيسيا في المشهد السياسي، مؤكدا للجزيرة نت أن توجهها في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة مع الرئيس سيكون على أساس تشكيل حكومة سياسية مفتوحة على أحزاب عدة، وتكون حركة النهضة أحد مكوناتها.

وعن رأيه في إمكانية وجود مساع لسحب البساط من حركة النهضة وإقصائها مع الإعلان عن تشكيل جبهة برلمانية تضم 93 نائبا، يقول إنه لم يتأكد بعد تشكيل هذه الجبهة بعد إسقاط حكومة الجملي، مؤكدا أنه "باستثناء الحزب الدستوري الحر، لم يعرب أي طرف سياسي عن إقصاء النهضة".

وأعرب القوماني عن تفهمه رفض كتل نيابية عدة منح الثقة لحكومة الجملي الذي اختارته حركة النهضة بسبب توجه الأخير لتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة، مشيرا إلى أن خلوها من الكفاءات ذات الانتماء السياسي جعلها لا تظفر بحزام سياسي قوي من قبل الأحزاب الممثلة داخل البرلمان.

رفض الإقصاء
من جهته، قال القيادي في حزب التيار الديمقراطي محمد العربي الجلاصي إن الإعلان عن جبهة برلمانية تضم 93 نائبا مجرد "بالون اختبار"، مؤكدا للجزيرة نت أنه لا توجد إعادة كبيرة لخلط الأوراق في مسار تشكيل الحكومة، وأن المشاورات بين الأحزاب الممثلة بالبرلمان ستستمر تحت مظلة الرئيس.

ووصف الجلاصي مساعي الحزب الدستوري الحر المناهض للإسلاميين بغير المقبولة، موضحا أن رفض حزبه منح الثقة للحكومة كان بناء على تحفظاته تجاه تركيبتها وبرنامجها، وأن حزبه بعيد كل البعد عن ثقافة الإقصاء، وأنه سيدخل مفاوضات تشكيل الحكومة بعقلية منفتحة على القوى الثورية.

وقال إن الكتلة الديمقراطية -وهي ثاني كتلة (41 مقعدا) تضم حزب التيار الديمقراطي (22 مقعدا) وحركة الشعب (15 مقعدا) وبعض المستقلين- ستلعب دورا مهما في تشكيل حكومة وطنية تضم "العقلاء"، وغير مستبعد أن تتشكل الحكومة من الرباعي الحزبي الذي اجتمع به سابقا الرئيس التونسي.

وهذه الأحزاب الأربعة هي حركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحزب تحيا تونس.

وفي السياق، يقول المحل السياسي عبد السلام الزبيدي إنه من غير الممكن تجاوز حركة النهضة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، موضحا أن الفصل 89 من الدستور ينص على دخول الرئيس في مفاوضات تشكيل الحكومة مع مختلف الكتل والأحزاب، بما فيها حركة النهضة صاحبة أكبر كتلة.

ويؤكد الزبيدي للجزيرة نت أنه يستحيل تشكيل حكومة دون أن تكون حركة النهضة أحد مكوناتها لاعتبارات عدة، منها وجود كتلة موحدة بين الحركة وائتلاف الكرامة تتجاوز 70 مقعدا، إضافة إلى رفض الحزب الدستوري الحر الدخول في أي حكومة أو حتى لقاء الرئيس، ووجود خلافات بين قلب تونس وتحيا تونس.

وأوضح أن رفض تمرير حكومة الجملي باعتراض 134 نائبا لا يعني أنهم كتلة موحدة أو جبهة سياسية مجتمعة على نفس التوجهات وقادرة على تشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدا أنهم اجتمعوا في لحظة ما داخل البرلمان لعدم منح الثقة للحكومة بسبب تحفظاتهم بشأن تركيبة الحكومة فقط.

المصدر : الجزيرة