حقبة قابوس.. استقلالية حيال العرب وعلاقة خاصة بأميركا وإيران

قابوس مشاركا قادة آخرين في جنازة ملك الأردن حسين بن طلال عام 1999 (رويترز-أرشيف)
قابوس مشاركا قادة آخرين في جنازة ملك الأردن حسين بن طلال عام 1999 (رويترز-أرشيف)

محمد العلي

لم تكن عُمان دولة بالمعنى المتعارف عليه عندما تولى قابوس بن سعيد السلطة فيها عام 1970. لكنها كانت في الواقع كيانا مستقلا اسميا يرتبط مع بريطانيا باتفاقات، أتاحت للأخيرة استئجار قواعد عسكرية في جزيرة مصيرة المواجهة للمحيط الهندي ورأس مسندم على مدخل الخليج وفي صلالة عاصمة إقليم ظفار. 

كانت سلطنة عمان تقوم حتى عام 1970 على إقليمين هما مسقط وعمان. لكن السلطان قابوس قام بدمجهما وأنشأ كيانا جديدا وعلما وطنيا وبدأ بناء أجهزة الدولة وجيش.

تقول الصحفية السويسرية ليزل غراس بهذا الصدد "تغيير الاسم كان خيارا مدروسا أريد منه التأكيد على أن الشقاق والتقسيم السابق انتهى، وأن السلطان بات عمليا هو الممسك بالسلطة، وهو مصمم على ممارسة سلطاته عن طريق توحيد البلاد وتحويلها إلى دولة أمة". 

وقد بقي الوجود العسكري البريطاني قائما رسميا حتى 1977 وهي السنة التي أعيدت فيها جزيرة مصيرة للسلطنة وتحولت إلى قاعدة للجيش العُماني. في حين استمر الخبراء البريطانيون بالعمل بموافقة السلطان ضمن الإدارات الحكومية كافة ومن ضمنها الجيش.
وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيوم مستقبلا السلطان قابوس في لندن عام 1973 (غيتي)

لكن الصحفية السويسرية ليزل غراس تقول في كتاب أصدرته عام 1982 إن الخبراء عام 1981 لم يكونوا كلهم بريطانيين. وتشير إلى ذلك موضحة أنه "في كثير من الحالات كان السلطان والوزراء يختارون مستشاريهم من بين الرجال المشهود لهم بالكفاءة والإخلاص. كثيرون منهم وليس كلهم كانوا ضباطا بريطانيين سبق لهم أن خدموا في عمان".

الضباط البريطانيون
وأرفقت ليزل معلوماتها بإحصاء يشير إلى أن عدد البريطانيين عام 1981 كان يضم 340 ضابطا بالجيش وثلاثمئة في سلاح الجو وعددا أقل في البحرية.

بيد أن الناشر اللبناني رياض نجيب الريس يقول إن الضباط الأردنيين خلال عهد قابوس بدؤوا عملية تعريب الجيش العُماني، بالحلول محل العدد القليل من الضباط البريطانيين في مراكز التدريب والمخابرات. وهو يشير بهذا الصدد إلى مفهوم تقني لعملية التعريب تعني "استخدام العربية محل الإنجليزية إضافة إلى عمل ضباط في فرق الصيانة والتدمير".

فالعلاقات بين الأردن وعُمان شهدت طفرة استثنائية عام 1974 مع اشتراك وحدات أردنية في قتال ثوار ظفار، وإهداء الملك حسين 31 طائرة هوكر هنتر بريطانية للسلطنة التي كانت تملك قوة جوية صغيرة.

وتعطي هذه المعطيات حول علاقات السلطنة بعهد قابوس فكرة عن الدول التي ارتبطت معها بعلاقة خاصة خلال المراحل الأولى لبناء الدولة، وهي بريطانيا والأردن إلى جانب إيران التي أرسلت جنودها إلى ظفار وساهمت في إخماد ثورتها.

أما العالم الخارجي بشكل عام فقد بدأ انفتاح عُمان عليه لدى بدايات تشكل الدولة الحديثة فيها. فانضمت إلى الجامعة العربية في 29 سبتمبر/أيلول 1971 والأمم المتحدة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1971. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1971 أعلن في مسقط عن إقامة علاقات دبلوماسية بين السلطنة والولايات المتحدة، وفي ذات العام وصل إلى عُمان بهمن زند أول سفير إيراني إلى السلطنة.

علاقات خاصة
لكن علاقة خاصة ما لبثت أن نمت بين الولايات المتحدة وعُمان بعد سنة من خسارة واشنطن لنفوذها في إيران بتأثير انتصار الثورة الإسلامية. ففي 4 يونيو/حزيران 1980 وقعت واشنطن ومسقط اتفاقا يتيح للأميركيين دخول القواعد العسكرية العُمانية. وقد توصلت الولايات المتحدة لهذا الاتفاق في إطار تعزيز قدرتها على حماية مصالحها بالخليج.

الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد مستقبلا السلطان قابوس في طهران (رويترز-أرشيف)

أما على صعيد الشرق الأوسط، فقد دعمت عُمان في عهد قابوس سياسات الولايات المتحدة بالمنطقة. فرحبت باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية رغم أن ذلك وضعها في مواجهة مع جاراتها الخليجيات.

وتقول الصحفية السويسرية "التصميم على التصرف باستقلالية ضمن العالم العربي له جذور في موقع عُمان الجغرافي وتاريخها، وهو ما أتاح للولايات المتحدة فرصة الدخول إلى قواعدها، رغم أن جاراتها الخليجيات لم تفعل الشيء ذاته" في ذلك الوقت. 

إرث إمبراطوري
قد تعطي هذه الخلفية تفسيرا لقدرة عُمان على إقامة وساطة غير متوقعة عام 2014 بين دولتين كبيرتين متخاصمتين منذ عقود كالولايات المتحدة وإيران. فالأمر يتعلق بالإحساس بالتميز بناء على إرث إمبراطوري.

وقد عبر نائب رئيس الوزراء العُماني يوسف بن علوي عبد الله لهذه الصحفية عام 1981 (وكان ما يزال وكيلا للخارجية) وقال لها حرفيا "ليس لدينا أوهام. لسنا مستجدين على المسرح الدولي، سنلعب الدور الذي نعتقد أنه خاص بنا، ونأمل أن يسمع الآخرون عندما نتكلم، وعندها سيكون لديهم الثقة عندما نبدي رأينا". 

المصدر : الجزيرة