لكل رئيس جزائري دستوره.. فهل يكون دستور تبّون للجزائر؟

عبد المجيد تبون أنا حرّ...ولم ترشحني أي جهة وزمن صناعة الرؤساء في الجزائر قد ولّى (الجزيرة) .
الشارع الجزائري ينتظر من الرئيس الجديد جزائر جديدة ودستورا وطنيا جديدا (الجزيرة)
 
عبد الحكيم حذاقة-الجزائر
 
ظلّت علاقة الجزائر بدساتيرها مضطربة منذ الاستقلال، فلا يستقرّ لها مع أيّ رئيس حال، وكلّما وجد نظام الحكم نفسه في مأزق سياسي أو اقتصادي لجأ إلى لعب ورقة الدستور، لإيجاد منافذ للتنفيس الاجتماعي، بحسب مراقبين.

ويسجل المتابعون تاريخيّا أنّ لكل رئيس جزائري دستورا خاطه على مقاسه منذ عام 1963، حيث وضع أحمد بن بلّة أول وثيقة قانونية في البلاد، لكنها لم تعمّر سوى سنتين، ليعطلها العقيد هواري بومدين في أعقاب انقلاب 19 يونيو/حزيران 1965.

وصار "مجلس الثورة" هو المشرّع الفعلي إلى غاية صدور دستور 1976، الذي كرّس مبادئ النظام البومديْني الاشتراكي الأحادي، قبل أن تحاصر السلطة بتداعيات أزمة النفط وأحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، ما اضطرّها إلى الانفتاح الديمقراطي عبر دستور الرئيس الشاذلي بن جديد في 23 فبراير/شباط 1989.

وجرت رياح التجربة التعددية بما لا تشتهيه  سفن النظام، فعمد مجددا في عهد الرئيس ليامين زروال إلى وضع دستور بديل في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1996.

غير أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يتوان منذ صعوده إلى سدّة الحكم ربيع 1999 عن نقد الدستور، حتّى أطاح به في ثلاثة تعديلات بين 2002 و2008 و2016، ما مكّنه من الاستحواذ على "سلطات ملكيّة" في نظام جمهوري، بحسب مختصين.
 
البرلمان الجزائري كان في عهد بوتفليقة متعاونا في تمرير أية تعديلات دستورية تناسب الرئيس (الجزيرة)كان
البرلمان الجزائري كان في عهد بوتفليقة متعاونا في تمرير أية تعديلات دستورية تناسب الرئيس (الجزيرة)كان
دستور تبّون
وباندلاع الحراك في 22 فبراير/شباط الماضي تغيّرت الكثير من قواعد اللعبة بين الشعب والسلطة، وكلّف الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون الأكاديمي أحمد لعرابة برئاسة لجنة خبراء من 15 عضوا لصياغة مقترحات مراجعة الدستور في غضون ستين يوما.

وتعهّد بفتح مشاورات واسعة بعدها مع الفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني، قبل عرض المسودة الجديدة للمصادقة البرلمانية ثم الاستفتاء الشعبي، ما يعني دستوريا أن التعديلات ستكون جوهرية.

وحدد بيان الرئاسة سبعة محاور للتعديل الدستوري، أبرزها تعزيز حقوق وحريات المواطنين والمساواة أمام القانون، وتكريس أخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد، وترسيخ استقلالية القضاء، ناهيك عن الفصل بين السلطات وترقية الرقابة البرلمانية.

ويعد مشروع الإصلاح الدستوري من أهم التعهدات الانتخابية للرئيس تبّون، لكن مراقبين يتخوفون من تكرار سيناريو الدساتير الجزائرية، التي تُنسج -بحسبهم- على مزاج الرئيس في كل مرحلة لتمديد عمر النظام، معتبرين أن الإشكال الأساسي لم يكن يوما في النصوص، بل في تجاوزها عمليا كل ما اقتضت ذلك مصلحة السلطة.

وعليه، فإن رهان الجزائريين اليوم هو كيف يمكن صياغة دستور قابل للاستدامة، وأي آليات قانونية لتحصينه مستقبلا من التغييرات الموسمية.
 
هندسة عميقة
وللإجابة عن ذلك، قال عامر رخيلة، عضو سابق بالمجلس الدستوري، إن استقرار الدستور يرتبط بمستوى دسترة الحياة العامة في المجتمع، أي أن تكون المؤسسات مبنية وفقا لأحكام الدستور.

وبما أن الجزائر مقبلة على ما وصفه رئيس الجمهورية بالتأسيس لجمهورية جديدة، فإن ذلك يتوقف، بحسب رخيلة، على مراجعة عميقة للدستور الحالي في كل فصوله، واختصار المواد الدستورية البالغ عددها 218 مادة، "لأن الكثير منها غير قابل للتطبيق أو تتم قراءتها بتفسيرات متناقضة".

وحتى يكون الدستور آلية أساسية لاستقرار المجتمع، يضيف رخيلة في تصريح للجزيرة نت، فإنه لا بد من هندسة دستورية تكرس مبدأ الفصل بين السلطات، وتحدد المبادئ الجوهرية التي تحكم المجتمع وطبيعة الدولة، هل هي متدخلة أو ناظمة؟.

وشدد رخيلة على رسم خارطة الحقوق والحريات الأساسية للإنسان والمواطن، والحرص على أن يحتفظ المؤسس الدستوري بمهامه، من خلال ضبط الأحكام الدستورية، وترك ما يتصل بتنظيم الاقتصاد والتربية والإعلام وكل مناحي الحياة للمشرع المؤهل، لمسايرة وتنظيم المتغيرات السريعة للمجتمع.
 
الحراك الشعبي يأمل أن يجسد الدستور القادم تطلعاته نحو التغيير الحقيقي (الجزيرة)
الحراك الشعبي يأمل أن يجسد الدستور القادم تطلعاته نحو التغيير الحقيقي (الجزيرة)
مسائل مفصلية
من جهته، أكد لخضر عليان، أستاذ القانون بجامعة الجزائر، أن البلاد بحاجة الآن إلى دستور جديد أكثر من حاجتها إلى تعديل جزئي، كون دستورها الحالي مبنيا أصلا على ركائز مختلة.

واشترط عليان، في حديثه للجزيرة نت، لاستدامة الدستور "تناول المسائل المفصلية فيه بدل الاكتفاء بتغييرات هامشية، وعدم تمييع مرحلة النقاش العام، ناهيك عن اعتماده عبر استفتاء شعبي يعيد له الشرعية نصا ساميا".

وركّز على ضرورة معالجة الجوانب المهمة لكيفية ممارسة السلطة، على غرار وضعية السلطة التشريعية وتفعيل دور البرلمان الرقابي، وكذلك المجلس الأعلى للقضاء، إضافة إلى منح صلاحيات أكبر للمؤسسات الاستشارية، عوض استحداث هيئات أخرى أو تغيير صياغة مواد بالمضمون نفسه، على حد تعبير.

كما حذّر من "الثرثرة الدستورية والغرق في التفاصيل"، موجها لجنة الخبراء الرئاسية إلى ضرورة حسم طبيعة نظام الحكم في الجزائر، حيث قال بهذا الصدد إن النظام شبه الرئاسي هو الأنسب، كون مقتضيات النموذج البرلماني أو الرئاسي غائبة عن الساحة السياسية الجزائرية في الوقت الحالي، وفق تقديره.
المصدر : الجزيرة