حركة فتح بذكرى انطلاقتها.. من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية

ملصق لإحياء فتح ذكرى انطلاقها (مواقع التواصل)
ملصق لإحياء فتح ذكرى انطلاقها (مواقع التواصل)

عوض الرجوب-رام الله

على غير العادة في إحياء ذكراها السنوية، أصدرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) سلسلة بيانات تعيد إلى الأذهان روح الثورة والغضب وجداول الفعاليات ضد الاحتلال قبل مجيء السلطة الفلسطينية.

وعلى موقعها الإلكتروني، نشرت الحركة خلال الأيام الماضية البيانات: 1 و2 و3 و4 و5، مروّسة بآيات من القرآن الكريم وخطاب العهد والوفاء للشهداء والأسرى والشعب الفلسطيني وقضاياه الثابتة.

لكن فرقا جوهريا ميّز بيانات الحركة بعد إطلاقها رسميا العمل العسكري في الأول من يناير/كانون الثاني 1965، عن بيانات إحياء ذكرى انطلاقتها الـ55، وهو شكل مقاومة الاحتلال: من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية.

وإن كان ذلك التاريخ يعتبر موعدا سنويا لإحياء فتح ذكرى انطلاقتها، فإنها تأسست قبل ذلك بنحو تسعة أعوام، وعقدت مؤتمرها الأول سنة 1962 وفيه تم رسم أهداف العمل وخططه، وثبت فيه الهيكل التنظيمي ووزعت فيه مهمات القيادة،  وكان من أبرز مؤسسيها الرئيس الراحل ياسر عرفات وخليل الوزير.

فتح وأوسلو
ورغم انطلاق الحركة بروح ثورية نضالية لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فإن دخول المفاوضات مع الاحتلال حمّلها أوزار اتفاق أوسلو الذي حولها من حزب يقود سلطة إلى حزب للسلطة، وفق محللين.

من الاحتفالات في غزة اليوم بذكرى انطلاقة حركة فتح (رويترز)

لكن يحسب للحركة عملها على تكوين شخصية مستقلة للشعب الفلسطيني بعد شتاته في النكبة، ورفض محاولات تذويبه بين الأمم والأقطار، وفق المحلل السياسي عادل شديد.

وشكل اتفاق أوسلو عام 1993 والانتخابات التشريعية عام 2006 منعطفان في تاريخ الحركة، فاتفاق أوسلو حيّد سلاحها، وفي الانتخابات دفعت الثمن، مع ذلك يقول شديد إنه لا يمكن إنكار أو نفي أو إلغاء ما حققته الحركة منذ تأسيسها رغم مرورها بمنعطفات "سلبية وسوداوية".

وشكلت فتح خلال القرن الماضي -والقول لشديد- نواة لإعادة بلورة القضية الفلسطينية، بعد أن كادت تندثر بفعل الاستقطاب وقوافل الهجرة إلى أوروبا وأميركا اللاتينية وغيرها.

وأضاف أنها شكلت أيضا سدا منيعا أمام محاولة شبه مبرمجة لدمج الشعب الفلسطيني في أنظمة سياسية وأحزاب وقوى سياسية مليئة بالتناقضات، كان من الممكن أن تنهي الشعب الفلسطيني بتحويله إلى قبائل متناثرة في الوطن العربي الكبير.

وتابع في حديثه للجزيرة نت أن الحركة أعادت بناء الحالة الفلسطينية وطنيا وديمغرافيا، وتشكيل هوية جامعة لهذا الكل الفلسطيني، "فكان ذلك أهم إنجاز ومطلوب الحفاظ عليه".

ويضيف شديد أن الحركة حققت في البعد الدولي -باعتبارها الأكبر والأهم قوة وتعدادا ونفوذا وتأثيرا- اعترافا عالميا كبيرا بمنظمة التحرير، "ليس فقط بالقضية الفلسطينية إنما بالكفاح والنضال الوطني الفلسطيني"، مشيرا إلى المقاطعة الدولية الكبيرة لإسرائيل حتى اتفاق أوسلو كنتيجة لهذا الاعتراف.

تخطيط أم اجتهاد خاطئ؟
ما يأخذه شديد على حركة فتح الانعطافة التي أحدثها اتفاق أوسلو ووهم السلام، مما "أخفى آثار الكثير من الإنجازات التي تم تحقيقها على مدى سنوات النضال والكفاح".

وفي نظرة سريعة لواقع الحركة بعد خمسة عقود ونصف على تأسيسها، يرى شديد أن فتح أُتبعت للسلطة الفلسطينية خاصة في السنوات الأربع الماضية، لدرجة أنه بات من الصعب الفصل بينهما في معادلة مقلوبة، بعكس ما أريد أن تكون السلطة كذراع من أذرع فتح ومنظمة التحرير. وتساءل "هل كان ذلك مخططا محكما أم نتاج اجتهادات خاطئة؟".

وتابع "اليوم أصبحت فتح دائرة تتبع السلطة، والسلطة هي مرجعيتها في كل التفاصيل، كما أن أولوياتها تحت أولويات السلطة والتزاماتها تحت التزاماتها، وأصبح دور فتح حالة خدماتية كما هو دور السلطة.. بل وأكثر من ذلك، فوصلت فتح -كما السلطة والمنظمة- لحالة تعايش مع واقع تحت الاحتلال".

وخلص إلى أن المطلوب عودة فتح لبرنامجها الذي لولاه ما التحق بها الآلاف، متسائلا "هل تشكل الحركة اليوم حالة جذب أم طرد؟".

هوية وطنية
من جهته، يقول عضو المجلس الثوري لحركة فتح، عضو المجلس الوطني الفلسطيني تيسير نصر الله، إن الحركة تمكنت من إعادة الهوية للفلسطينيين بعد أن كانت مستهدفة بالمصادرة من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي.

محمود عباس خلال خطاب اليوم في رام بذكرى انطلاقة فتح (الأوروبية)

ويضيف أن فتح جعلت الشعب الفلسطيني يصطف في طوابير من المقاتلين للدفاع عن الشعب الفلسطيني، بدل أن يصطف في طوابير اللاجئين للحصول على تمويل من هنا وهناك.

دفعت الحركة -والقول لنصر الله- باتجاه العمل على عودة أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأرض الفلسطينية، فأوقفت الهجرة المضادة التي كانت تقوم بها سلطات الاحتلال، وأعادت أكثر من نصف مليون فلسطيني منذ عام 1990.

يدافع القيادي في حركة فتح عن توجهات حركته، ويؤكد أنها تسير نحو تحقيق أهدافها التي انطلقت من أجلها: تحرير فلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعودة اللاجئين إلى قراهم التي طردوا منها 1948.

ويضيف أن أهم ما حققته فتح منذ انطلاقتها فضلا عن تثبيت الهوية النضالية: تثبيت هويتها كحركة تحرر وطني من خلال الكفاح المسلح.

العمل العسكري
وعن تحييد العمل العسكري، يقول نصر الله إن الحركة استخدمت المقاومة بكافة أشكالها وفق ما يناسب كل مرحلة من المراحل النضالية، فاستخدمت العمل العسكري عندما كانت قواتها في الخارج وفي الانتفاضة الأولى ثم انتفاضة الأقصى، قبل تحولها إلى النهج الجماهيري والمقاومة الشعبية.

ومع نفيه لتخلي الحركة عن النضال الوطني، يتحدث القيادي في فتح عن ثقة مهزوزة وتحديات أبرزها المحافظة على الثوابت وسبل النهوض واستعادة الثقة والهيبة المفقودتين إلى حد كبير.

وعن العلاقة الإشكالية بين السلطة وحركة فتح، قال إن فتح لها استقلاليتها من خلال أطرها القيادية، وهي استقلالية مالية وتنظيمية.

وعما ينتظر فتح اليوم، قال نصر الله إن الهم الكبير هو إنهاء الانقسام البغيض لمنظمة التحرير، ووضع إستراتيجية وطنية لمواجهة المخططات التي تستهدف القضية الفلسطينية. 

فهمي شاهين: حركة فتح قدمت تضحيات جساما في سبيل تحقيق المنجزات (الجزيرة)

أما عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني عضو المجلس الوطني الفلسطيني فهمي شاهين، فيسجل لحركة فتح امتدادها الثوري في التصدي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.

وأشار في حديثه للجزيرة نت إلى "إسهامات ملموسة في الثورة الوطنية المعاصرة" إلى جانب قوى أخرى ساهمت في بلورة الهوية الفلسطينية والدفاع عنها.

ويضيف شاهين أن حركة فتح قدمت تضحيات جساما في سبيل تحقيق المنجزات، وعليها التمسك بها وحمايتها وتطويرها.

إخفاقات فتح
وتحدث القيادي الفلسطيني عن "تراجع كبير" في الحركة خلال السنوات الأخيرة وتحديدا بعد قيام السلطة الفلسطينية، مشيرا إلى إخفاقات في إدارة الشأن العام وتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يعزز صمود الشعب وجبهته الداخلية.

وتحدث شاهين أيضا عن إخفاقات على صعيد الصراع مع الاحتلال "من خلال الدخول في مفاوضات عبثية لسنوات طويلة"، معتبرا أن تلك المفاوضات التي قادتها الحركة "جرت على أسس تختلف عن قرارات الشرعية الدولية".

ويضيف أن الحركة أخفقت أيضا في إدارة الصراع والعلاقات الداخلية، في إشارة للانقسام الفلسطيني.

ودعا القيادي في حزب الشعب حركة فتح في ذكرى انطلاقتها إلى "إعادة النظر في منهج إدارة الصراع على أساس تعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية وتحقيق الوحدة الوطنية، وإعادة الاعتبار إلى النضال ضد الاحتلال بكل أشكاله لتحقيق المهمة المركزية العاجلة وهي إنهاء الاحتلال.

المصدر : الجزيرة