في السودان.. الموت بيد القوات النظامية "عرض مستمر"

المئات تجمعوا أمام محكمة في أم درمان للمطالبة بالقصاص للمعلم أحمد الخير (مواقع التواصل)
المئات تجمعوا أمام محكمة في أم درمان للمطالبة بالقصاص للمعلم أحمد الخير (مواقع التواصل)
 
مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم
 
لم تكد تمضي ساعات قليلة على إسدال القضاء الستار على قضية المعلم أحمد الخير الذي قتل خلال احتجاجات ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 على يد أفراد من الأمن السوداني تعذيبا، حتى تجددت المأساة بمقتل سيدة خمسينية اختناقا بالغاز الذي أطلقته الشرطة لفض المئات من الذين تجمعوا لمتابعة تفاصيل الحكم.

والمفارقة أن القتيلة عزة يوسف محمد أحمد (56 عاما) تشغل وظيفة "مراقب أول" بالمحكمة الشرعية في القسم الأوسط الذي تمت فيه وقائع الحكم بإعدام 29 من رجال الأمن شاركوا في تعذيب وقتل أحمد الخير بمنطقة خم القربة شرقي السودان أواخر يناير/كانون الثاني 2019.

ونعت لجنة أطباء السودان المركزية في بيان مساء الاثنين الفقيدة قائلة إنه "وبعد إعلان مجمع المحاكم بأم درمان الحكم الصادر في حق المدانين بقتل الشهيد أحمد الخير، وعلى نحو مستنكر أطلقت القوات الشرطية عددا من عبوات الغاز المسيل للدموع واستخدمت الهراوات لتفريق الثوار المتجمهرين أمام المحكمة مما أودى بحياة المواطنة عزة يوسف".

وبحسب بيان اللجنة -وهي جهة غير حكومية- فإن السيدة لقيت حتفها اختناقا على خلفية مرضها المزمن بالربو، حيث تعتبر نوبة الربو الحاد من المضاعفات المتوقعة لاستنشاق الغاز المدمع.

ردود أفعال
ولم تصدر وزارة الداخلية أي توضيحات بشأن الحادثة التي أثارت ردود أفعال واسعة لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن تقارير صحفية محلية نقلت عن مصادر في الشرطة قولها إن قوات الأمن اضطرت لاستخدام قنابل الغاز في مواجهة المتجمعين بعد أن طال احتشادهم أمام المحكمة رغم انتهاء الجلسة.

وأوضحت المصادر، التي فضلت حجب هوياتها لعدم تخويلها بالتصريح، أن السلطات رأت استخدام عبوات الغاز لفض التجمع والتمكن من ترحيل المدانين إلى السجن، وهو ما كان صعبا مع وجود المئات حول المكان.

وتحدثت اللجنة الطبية عن إصابات أخرى، بينها اثنتان في الرأس وسبع إصابات طفيفة، بالإضافة إلى عدد من حالات الاختناق بالغاز المدمع.

ولأن الجميع كان يعتقد بأن عهد استخدام القوة الأمنية أيا كان شكلها في مواجهة المتظاهرين السلميين قد ولّى، فإن حادثة التعامل القاسي مع الحشد الأحدث في عهد حكومة ما بعد الثورة أعاد للأذهان صورا مأسوية من التنكيل والتعامل الأمني العنيف وغير المبرر مع المحتجين.

وحصدت تدوينة للصحفي عثمان فضل الله في فيسبوك تأييدا كبيرا من ساخطين على تصرف قوات الأمن، حيث قال إن "الشرطة تأبى إلا أن تختم هذا اليوم العظيم بإطلاق بمبان على مواكب الفرح بالقرب من محكمة أم درمان"، في حين أيد البعض تصرفها بتأكيد أن الشارع المغلق من قبل المتجمعين شارع حيوي ولا يوجد مبرر لمواصلة إغلاقه بعد انتهاء جلسة الحكم.

وأكد أخرون أن بعض المندسين عمدوا إلى إحراق الإطارات دون مبرر، وكان بالتالي لزاما على الشرطة التدخل.

قتلى البمبان
ويقول النقيب عمر محمد عثمان -في منشور على فيسبوك تعليقا على الحادثة- "هذه ليست الحالة الأولى خلال هذه الثورة للاستشهاد اختناقا بالغاز المسيل للدموع، ومن خلال ملاحظتي خلال أيام الثورة واستنشاقي لـلبمبان (قنابل الغاز) عدة مرات لاحظت أنه حاد وحارق ومزعج جدا بعكس الذي شربناه ونحن طلاب أيام انتفاضة 1985 أو حتى من خلال عملي سابقا بالشرطة".

ويوضح أن الغاز المدمع ثلاثة أنواع خفيف ومتوسط وقوي التأثير، وأن الأخير أصبح ممنوعا ومحرما دوليا منذ العام 1956.

ويشير النقيب إلى خطورة استخدام بنادق إطلاق الغاز المدمع أيام الثورة، مما تسبب في فقدان عدد من الشباب لعيونهم أو إصابتهم بارتجاج في المخ ومضاعفات نتج عنها شلل كامل في إحدى الحالات، كما قال.
 
ويردف "السبب الأساسي في هذا هي الطريقة والكيفية التي يتم إطلاق العبوة بها بشكل أفقي في مستوى رؤوس المتظاهرين".

ولا يتردد عمر في مطالبة وزير الداخلية بتشكيل لجنة تقصي حقائق حول كل حالات الاستشهاد جراء الغاز المدمع، والعمل على التأكد من فحص نوع الغاز المستخدم حاليا، ووضع قواعد جديدة لاستخدام هذا الغاز، تتضمن في أهم بنودها التحذير الكافي للمواطنين المتجمهرين ومنحهم الفرصة للتفرق سلميا وطوعا قبل إطلاق الغاز المدمع.

وعلى تويتر غرّد عمرو هاشم مطالبا بإقالة وزير الداخلية لعجزه عن ضبط عساكره.

كما استهجن محمد حامد استمرار القتل قائلا "معقول يا جماعة؟ حتى متى؟".

في حين دعا محمد حيدر إلى إصدار مزيد من الأحكام حتى يفهم كل "مستحمر" أن دم المواطن أغلى من كل غال.

 

المصدر : الجزيرة