بالفيديو.. مبادرات شعبية تغيث منكوبي السيول بالسودان

مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

بينما كان ملايين السودانيين منشغلين بمتابعة تفاصيل الاتفاق النهائي بين قوى الحرية والتغيير والعسكريين، في بداية النصف الثاني من أغسطس/آب الماضي؛ كان بضعة آلاف آخرون يكابدون سيولا وفيضانات عارمة اجتاحت منازلهم، وتركت أغلبهم في العراء.

لم يكن المتضررون بمنأى عن العاصمة السودانية، التي كانت تحتفل بإنجاز الاتفاق، ففي أطرافها شمالا وجنوبا عاش الناس مآسي الفيضان، وواجهوا بأيد مغلولة سيولا باغتتهم، فأسقط في يدهم، وعجزوا عن مواجهتها.

ولأن الدولة بمعناها الفعلي الواسع كانت غائبة تماما أو منشغلة حينها بترتيبات المرحلة الجديدة، تصدت قطاعات شعبية لإعانة المتأثرين بالعون الذاتي، كما لا يمكن انتظار مساعدات مرسلة من عواصم عربية لأن إجراءات وصولها للمنكوبين قد تطول.

وشوهد عشرات الشباب المتطوعين في المناطق التي غمرتها المياه يحاولون مساعدة الأسر بتقديم معونات بسيطة تخفف فقدانهم المنازل والأثاث، أو تعينهم على طعام وماء نظيف.

إبراهيم الصافي: نتلقى دعما من رجال أعمال وهيئات ومؤسسات ومغتربين (الجزيرة نت)

آلاف الضحايا
وحسب إحصائية رسمية حديثة، فإن 78 شخصا لقوا حتفهم بسبب انهيار أسطح المباني والصعق بالكهرباء، كما تأثر ما يقدر بنحو 346 ألفا وثلاثمئة شخص بالأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة في 16 ولاية سودانية، علاوة على منطقة أبيي المتنازع عليها مع دولة جنوب السودان. وتدمر 41 ألفا و514 منزلاً بالكامل، وتلف 27 ألفا و742 أخرى بصورة جزئية.

وتشمل الولايات المتأثرة بالأمطار والفيضانات الخرطوم والنيل الأزرق والقضارف والجزيرة وكسلا وشمال دارفور وشمال كردفان والبحر الأحمر ونهر النيل وسنار وجنوب دارفور وجنوب كردفان وغرب دارفور وغرب كردفان والنيل الأبيض ومنطقة أبيي.

ويحتاج أغلب المتضررين إلى المأوى والمواد الأساسية الضرورية وخدمات المياه والصرف الصحي وتصريف المياه الراكدة.

ومن واقع هذه الحوجة، نشطت واجهات شعبية ومبادرات طوعية لإغاثة المتضررين، خاصة بعد اجتياح سيول عنيفة مناطق "الجيلي" و"ود رملي" شمالي الخرطوم.

وتقع منطقة "ود رملي" على بعد ستين كيلومترا تقريبا إلى الشمال من الخرطوم بحري، وهي منطقة شهيرة بزراعة الحمضيات والفواكه بأنواعها، وتكبد الأهالي تبعا لذلك خسائر فادحة، بعد أن أغرقت المياه المزارع والمنازل.

أهل "التكية"
وتصدت الطريقة السمانية (إحدى الطرق الصوفية المعروفة) بجانب أهالي منطقة شمبات لتوفير الطعام والماء النظيف لمئات الأهالي في ود رملي.

ونصب المتصوفة خياما ضخمة لإعداد الطعام للمتأثرين، وسط ترحيب وامتنان الأهالي الموجوعين بفقدان المأوى والسند.

وكتب المصور الصحفي الطيب صديق على صفحته بموقع فيسبوك تعليقا على الدعم الكبير لأهالي ود رملي تحت عنوان "المنكسرين في ود رملي ..أهل التكية،  بمحبة كبيرة وتواضع وانكسار نصب السادة السمانية خيمتهم لإطعام من فقدوا بيوتهم في ود رملي بسبب الفيضان".

وتابع "الانكسار عند الصوفية عبارة عن صورة واضحة من التواضع والتسليم.. التطوع والخدمة بمحبة سلوك يومي في مسايد ومساجد أهل الله".

ومع ذلك، ورغم الجهد الشعبي الواسع فإن الحاجة للعون لا زالت ماثلة في هذه المناطق؛ فالضرر الذي لحق بالأسر جراء السيول لا يمكن حصره ومحاصرته إلا بتدخلات كبيرة تعجز عن تغطيتها أيدي المتطوعين رغم طولها ومساعيها المتفانية.

أتباع الطريقة السمانية أثناء تحضير الطعام للمنكوبين في منطقة ود رملي (الجزيرة نت)

نفير في الموعد
في مركز حملة "نفير" بضاحية العمارات بالخرطوم، وقفت الجزيرة نت على عمل واسع تتولاه مجموعة من الشباب المتطوعين لتحضير العون والسند لمتأثري الفيضانات والأمطار الأخيرة.

فالمكان المملوء بحب العون كان يضج بعمل يأسر من يراه، مزدحما بالأكياس المعبأة بـ"دقيق وأرز وعدس"، يقوم عليها شباب وشابات في مقتبل العمر، موزعين بين الغرف ووسط أكوام ضخمة من المواد تنتظر التعبئة، لتنقل إلى شاحنة ضخمة تم استئجارها لتسافر بعيدا إلى ولايات النيل الأزرق والأبيض، فكلتاهما اجتاحتها سيول لا تميز بين الضحايا.

ويشرح إبراهيم الصافي منسق الإعلام في حملة "نفير"، التي ذاع صيتها منذ عام 2013 للجزيرة نت مساعيهم للتدخل السريع ومساعدة المتأثرين من خطر الأمطار والفيضان، ويقول "بدأنا العمل من منطقة جنوب الحزام (جنوب الخرطوم) بعد أن تلقينا نداءات من الأهالي هناك، حيث شهدت هذه المنطقة بداية الكارثة، ثم انتقل العمل إلى مناطق الجيلي وود رملي وعدد من مناطق أطراف الخرطوم وأم درمان، وبعدها بدأت الأزمة تتمدد إلى ولايات أخرى، فكنا في نهر النيل (شمالا) والنيل الأبيض وسنار والجزيرة (وسط)".

ويوضح الصافي أن الحملة -التي يعمل بها ما يفوق ألفي متطوع- تتلقى دعما من بعض رجال الأعمال وعدد من المؤسسات والهيئات وبعض المغتربين، كما تصلها مساهمات من مواطنين، وهو ما يمكنها من تغطية حاجة واسعة للمتضررين، لكنه يلفت إلى أن إحساسهم بالتقصير يظل قائما في ظل ارتفاع حجم الضرر وتزايد المناطق التي تغمرها المياه بالعاصمة والولايات.

ويشير إلى أن عملية التوزيع تتم وفقا لتقارير الفرق الميدانية التي تتحرك بنداءات مباشرة تتلقاها الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تقوم "نفير" بعمليات إنقاذ للمحاصرين بالمياه بالتعاون مع فرق الكشافة بإرسال سيارات أو قوارب لإنقاذ العالقين.

ويوضح المنسق الإعلامي أن مساعداتهم تتعدى الطعام إلى تقديم مساكن مؤقتة لمن فقدوا منازلهم، لكنه يأسف لأن ارتفاع أسعار الخيام هذا العام منعهم من تقديمها للمحتاجين، فاستعاضوا عنهم "بمشمعات" تسلم للأسر، لتقيهم هجير الشمس.

المصدر : الجزيرة