فورين أفيرز: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على حماية حلفائها؟

قوات أميركية من الفريق المقاتل باللواء الثاني ببولندا تتفحص معداتاها العسكرية مارس/آذار 2019 (رويترز)
قوات أميركية من الفريق المقاتل باللواء الثاني ببولندا تتفحص معداتاها العسكرية مارس/آذار 2019 (رويترز)

يقول مدير برنامج السياسة الخارجية بمركز بروكينغز للدراسات مايكل أوهانلون إن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد على إستراتيجية الردع لحماية حلفائها وطمأنتهم، ويحاول الإجابة على سؤال حول الكيفية التي تؤتي بها هذه الإستراتيجية أكلها.

واستهل الكاتب مقالا له بمجلة فورين أفيرز الأميركية في عددها الأخير، بالإشارة إلى أن التفكير الإستراتيجي في دوائر صنع القرار بواشنطن ظل منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها يستند على مبدأ الردع.

ويقول إن الردع في أبسط تعريفاته يعني قدرة دولة ما على التلويح بالتهديد لإقناع دولة أخرى بالتكاليف التي سوف تتكبدها إذا أقدمت على عمل ما، مثل غزوها جارة لها.

التدمير المتبادل
وقد كان هذا المنطق وراء مبدأ "التدمير المتبادل المحقق" الذي ساد إبان الحرب الباردة، والقائم على فرضية أنه إذا عمدت الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي حينها إلى استخدام أسلحة نووية فإن الأخرى ستفعل الشيء نفسه مما سيتسبب في دمار ماحق لكلتيهما.

على أن الردع في رؤية واشنطن لم يكن يوما قاصرا على حماية حدود الولايات المتحدة فحسب، ففي سعيها لبناء شبكة تحالفات لحقبة ما بعد الحرب والتي باتت تشكل اليوم جزءا أساسيا من النظام العالمي، طورت أميركا إستراتيجية عُرفت باسم "الردع الموسع ".

وتقضي تلك الإستراتيجية بأن تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية، بما فيها ترسانتها النووية، للدفاع عن حلفائها كاليابان وكوريا الجنوبية والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ولم يكن الهدف من ذلك ثني السوفيات عن مغامرتهم في آسيا وأوروبا فحسب، إنما طمأنة حلفاء الولايات المتحدة أيضا.

قوات أميركية وإيطالية ضمن التدريبات المشتركة على الحدود الأردنية السعودية (رويترز)

بعد زوال الخطر السوفياتي
أما وقد انقشع الخطر السوفياتي اليوم، فإن إستراتيجية الردع الموسع ما فتئت تشكل جزءا رئيسيا في النفوذ الأميركي على العالم. فالولايات المتحدة لا تزال ملتزمة -على الورق على الأقل- باستخدام قوتها العسكرية (وحتى النووية إذا دعت الضرورة) لحماية حلفائها من أي اعتداء من أعدائهم.

ويشير مقال فورين أفيرز إلى أن الصين وروسيا هما الخصمين الرئيسيين لواشنطن في الوقت الراهن. فالصين "قوة صاعدة بدأت تقارع الولايات المتحدة في تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي. أما روسيا فلاديمير بوتين فقد باتت منهمكة أكثر فأكثر في تقويض النظام العالمي الذي تقوده أميركا"، على حد زعم مايكل أوهانلون.

وإدراكا منهم للخطر الذي تشكله بكين وموسكو، فقد شدد كبار المسؤولين العسكريين في إدارتي الرئيسين السابق باراك أوباما والحالي دونالد ترامب على ضرورة أن تحافظ واشنطن على إستراتيجيات الردع التقليدية بل وحتى تعزيزها. ويصف الكاتب الصين وروسيا بـ"قوتين رجعيتين تريدان تحدي وتغيير سمات النظام العالمي".

شكوك حول مصداقية أميركا
على أن مصداقية الولايات المتحدة حامت حولها الشكوك منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا للبلاد في 2016. فقد شكك ترامب في جدوى تحالفات بلاده وحط من قدر حلفائها.

ويرى أوهانلون أنه كلما ارتاب أولئك الحلفاء أكثر في استعداد الولايات المتحدة لحمايتهم، أصبحوا تحت وطأة ضغوط أشد لتوفير الأمن لبلدانهم بأنفسهم، مما قد يفضي إلى انتشار نووي وتفاقم خطر اندلاع حرب استباقية أو وقائية وغيرها من تبعات.

إن حقيقة أن الولايات المتحدة تواجه حاليا مشاكل تتعلق بطمأنة حلفائها ليس بالأمر المفاجئ، ذلك أن حمل دولة ما على التعويل على دولة أخرى لحمايتها وربما حتى لضمان بقائها يجافي الحدس والبديهة والفطرة السوية والطبيعة البشرية.

خطورة طمأنة الحلفاء
ثم إن بث الطمأنينة لدى الحلفاء أمر عصي، فإطلاق الوعود بحماية الحلفاء لا ينبغي -برأي أوهانلون- أن يكون هكذا بلا قيود، إذ لا يجب أن يستبد بهؤلاء شعور بالتهور والأمان جراء إدراكهم أن أميركا ستهب لنجدتهم كلما واجهوا مصاعب.

مقاتلات أميركية على متن إحدى حاملات الطائرات الأميركية خلال عملية لحماية حرية الملاحة ببحر جنوب الصين مارس/آذار 2017 (رويترز)

ومن الأمثلة على ذلك أن باكستان هاجمت الهند عام 1965 ظنا منها أنها تتمتع بضمانات أمنية من الولايات المتحدة. ويخشى البعض احتمال أن تقدم السعودية على فعل مماثل مع إيران اليوم، على حد تعبير مقال فورين أفيرز.

ويعتقد الكاتب أن الردع وطمأنة الحلفاء كليهما يتطلب وضوحا في الرسائل بشأن متى وكيف ستقدم الولايات المتحدة دعمها لأولئك الحلفاء، مشيرا إلى أن تضارب بيانات ترامب يعد من أكبر مصادر القلق الصادرة من واشنطن.

وقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو في عام 2018 تعاظم الشكوك لدى الحلفاء فيما يتعلق بوثوقهم بالولايات المتحدة والتعويل عليها. بيد أن غالبية عظمى من المستطلعة آراؤهم ما زالوا يفضلون الولايات المتحدة على الصين كقوة عالمية رائدة.

النظام العالمي بقيادة أميركا
ووفقا لأوهانلون، فإن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة لا يبدو أنه يتداعى، إذ لم يجرؤ أي حليف لها على الانسحاب من معاهدة الحد من الانتشار النووي أو بمجرد التلويح بذلك.

ويمضي الكاتب إلى القول إنه في إطار الجهود الرامية لتعزيز قوة الردع، لا بد من التساؤل عن الكيفية التي ستندلع بها أي حرب قد تخوضها أميركا ضد الصين أو روسيا.

ويزعم أوهانلون أن الصين وروسيا تدركان أنهما أضعف من الولايات المتحدة طبقا للمقاييس العسكرية الأولية. ومن ثم فإن كليهما لن يشن على الأرجح هجوما شاملا ومباغتا على أي من حلفاء أميركا من النوع الذي قد يستدعي ردا انتقاميا من جانب واشنطن.

ويخلص المقال إلى أنه إذا ساءت الأمور، فإن واشنطن وحلفاءها ربما يلجؤون لاتخاذ تدابير عسكرية غير مباشرة من شاكلة استهداف سفن في الخليج العربي وهي تحمل نفطا إلى الصين.

المصدر : فورين أفيرز