رئاسيات تونس.. مناظرات تلفزيّة على الطريقة الأميركية

أحد شوارع العاصمة تونس (رويترز)
أحد شوارع العاصمة تونس (رويترز)

بدر الدين الوهيبي-تونس

سيكون التونسيون ابتداء من الغد السبت وعلى مدى ثلاثة أيام على موعد مع برنامج تلفزيوني بعنوان "الطريق إلى قرطاج" يتناظر فيه مترشحون للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها -وجها لوجه- للحديث عن برامجهم وتصوراتهم ورؤيتهم لمستقبل البلاد.

وتعد المناظرات بين المترشحين تقليدا أميركيا يعود إلى سنة 1860 تاريخ أوّل مواجهة بين الجمهوري أبراهام لنكولن ومنافسه الديمقراطي ستيفن دوغلاس، ليتطوّر مع ظهور التلفزيون ويصبح سنة 1960 حدثا إعلاميا يتابعه عشرات الملايين.

وولدت الفكرة بمبادرة من صحفيي وإدارة التلفزة الوطنية (عمومية) لقيت حسب مراقبين استحسانا واسعا من الأوساط الإعلامية وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، خاصّة منها المتابعة للتجاذبات السياسية التي فرضها اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقرر في 15 من الشهر الحالي.

استثناء
ودفع التفاعل العالمي الكبير مع تفاصيل التجربة الديمقراطية التونسية التلفزة الوطنية إلى الترحيب بمقترح صحفييها لتنظيم مناظرات تلفزية تكسر رتابة البرامج السياسية ذات الاتجاه الواحد التي تعجّ بها البرامج السياسية في القنوات الأخرى.

وفي السياق، يقول المنسّق العام للانتخابات بالتلفزة الوطنية حمّادي الغيداوي إنه في إطار الإعداد للبرمجة الانتخابية تمّ تشخيص كمّ هائل من مساحات التعبير الحر والفردي التي تخصصها مختلف المؤسسات الإعلامية للمترشحين للرئاسة، وهي في غالبها غير ذات نفع للنّاخبين.

ويضيف للجزيرة نت أنه -زيادة على عدم توفّر مجال للمقارنة بين المترشحين والتكلفة المادية التي تتطلبها مثل هذه البرامج- فإن القطع مع الروتين الذي صاحب العمل الإعلامي في المناسبات السياسية الكبرى كان وراء مقترح تنظيم مناظرات تسمح لهم بمواجهة بعضهم البعض على أساس ثراء برامجهم الانتخابية ومناقشتها مع منافسيهم.

متداخلة
ولتوفير ظروف النجاح لهذه السابقة العربية والأفريقية، كان لزاما على التلفزة العمومية أن تناقش المقترح مع الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري (هايكا) والهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، إضافة إلى منظّمة "مبادرة مناظرة" التي أبدت استعدادها للعمل مع مختلف هذه الهياكل لإنجاح الانتخابات.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد هشام السنوسي عضو "هايكا" أنّه تمّ نشر قرار مشترك بالتشاور مع الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات قصد إرساء أحكام وقواعد المناظرات التي سيلتزم بها الإعلام العمومي والخاص أيضا كلّ حسب إمكانياته ضمانا لمشهد إعلامي متكامل لا يفرّق بين المرفق العمومي والمؤسسات الإعلامية الخاصّة، ويكرّس للممارسة الديمقراطية.

من جهته قال رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بفون لوسائل إعلام محلية إن مراقبة مدى احترام وسائل الإعلام لأحكام القرار المشترك من مشمولات "هايكا" التي من المنتظر أن ترفع تقارير للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في إطار دورها الرّقابي للخروقات التي يمكن أن تحدث إعلاميا.

جدل
يذكر أن القرار المشترك للهيئتين صدر يوم 21 أغسطس/آب، وتضمّن المساواة بين المترشّحين عبر إخضاع جميع إجراءات التناظر إلى القرعة بحضور عدول تنفيذ وتوزيع المجموعات المتناظرة، واعتماد امتياز واحد في اختيار تاريخ المناظرة لثلاثة مرشحين شرط التوفر على أكبر تمثيل برلماني في كل مجموعة على الأقل.

وأثار هذا الامتياز -الذي منح لثلاثة مرشّحين (عبد الفتاح مورو ويوسف الشاهد ومحسن مرزوق) استياء وغضب المرشّح سيف الدين مخلوف الذي رفض مواصلة القرعة، معتبرا أنه جنّب الثلاثي إمكانية المواجهة في نفس المجموعة، مطالبا الهايكا والهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بتفسير مقنع لهذا الإجراء.

بدورها اعتبرت مرشّحة الحزب الدستوري الحر عبير موسي هذا الإجراء إخلالا بالقانون وضربا صارخا لمبدأ المساواة، مهددة باللجوء إلى القضاء في صورة عدم تجاوب الهايكا وهيئة الانتخابات مع الطعن الذي تقدّمت به، مضيفة أنّه امتياز يشرّع لمنح امتيازات أخرى.

توازن
ويقول عضو هيئة الانتخابات عادل البرينسي بخصوص هذا الجدل إن اعتماد قاعدة إسناد امتياز لأصحاب أكبر تمثيل برلماني يقوم بالأساس على مبدأ جعل توازن بين المجموعات، وإنه لم يكن من الصواب إمكانية وجود مرشحين بارزين يتمتعون بحضور في المشهد السياسي في يوم واحد.

ويضيف للجزيرة نت أن الهيئة العليا للانتخابات تدخّلت في عديد المناسبات التي رافقت إعداد مشروع المناظرات التلفزية بغاية تعديل الكفّة لإيجاد أقصى قدر ممكن من الإنصاف لكافة المرشّحين وفق منطق الاقتراع الشفاف، وبحضور الجميع. ولم تسجّل اعتراضات أخرى على سير الأمور بهذه النسخة الأولى.     

ورغم الترحيب الذي لقيته هذه التجربة الإعلامية فإنها كانت مصدرا لتخوّفات من صعوبات يمكنها أن تعرقل نجاح المبادرة، منها عدول بعض المترشّحين عن حضور المناظرات، الشيء الذي يمكنه إدخال إرباك على برمجة المناظرات إضافة إلى سلبيات نقل مشهد منقوص وغير مكتمل.

تخوّفات أخرى تتمثل في مبدأ الرّبط بين المهارات الاتصالية والبلاغية للمترشّح والتي ترتكز عليها المناظرات، وبين القدرة على الفعل السياسي وتغيير الواقع الصعب للبلاد، خاصّة أن برنامج "الطريق إلى قرطاج" سيبث بصفة مباشرة لمدّة ساعتين ونصف الساعة، الأمر الذي يتطلّب حضورا ذهنيا كبيرا للمترشّح.

المصدر : الجزيرة