عـاجـل: البنتاغون: بصدد إعداد استثناء كي لا تتأثر مبيعات الأسلحة بين أنقرة وواشنطن إثر العقوبات المفروضة على تركيا

بين النفاق والحيلة.. هكذا يواجه صحفيو مصر المقصلة الأمنية

لم يعد سلم نقابة الصحفيين متاحا لرفض الرقابة والوصاية الأمنية، فلجأ الصحفيون للمداهنة أو المقاومة الماكرة (الجزيرة)
لم يعد سلم نقابة الصحفيين متاحا لرفض الرقابة والوصاية الأمنية، فلجأ الصحفيون للمداهنة أو المقاومة الماكرة (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

ليس بوسع أحمد -وهو اسم مستعار لصحفي مصري بمؤسسة صحفية حكومية- إلا أن ينتظر كل صباح ما سيتم تعميمه من قبل ضابط مجهول عبر مجموعة على تطبيق التراسل الفوري "واتساب".

وصار "جروب واتساب التعليمات"، كما يطلق عليه بين الصحفيين، هو المرجع لكيفية التعاطي إعلاميا مع القضايا والأحداث الراهنة.

وفي واقعة انفجار قرب معهد الأورام بالقاهرة أخيرا، سرت همسا نكتة في صالات تحرير الصحف، مفادها أن تأخر التغطيات -بشكل أثار انتقادات واسعة- كان مرده أن ضابط الاتصال الصحفي لم يكن قد استيقظ بعد.

وبحسب صحفيين فإن مجموعة "واتساب التعليمات" قاصرة فقط على مسؤولي التحرير بالمؤسسات الصحفية، ومعظمهم في الوقت نفسه معدون في برامج "التوك شو" المسائية.


وقائع سابقة
رغم معرفة الوسط الصحفي المصري بقصة تعميم الأخبار، فإن ظهورها للعلن جاء عبر خطأ عفوي، حيث فضحت المذيعة نهى درويش جانبا مما يجري إرساله عبر مجموعة "واتساب"، حينما تلت على الهواء في إحدى الفضائيات المحلية بيانا حول وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث ختمت قراءة البيان بعبارة "وتم الإرسال من جهاز سامسونغ".

الخطأ العفوي أثار سخرية المطلعين على خطط تعميم الأخبار، إذ تسبب الاستعجال في طباعة الخبر كما جاء من الضابط حتى بالإضافات التي قد يضيفها جهاز الهاتف!

وانتقد صحفيون تغطية الإعلام المصري لوفاة الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث تم تعميم خبر الوفاة بشكل مقتضب، دون ذكر منصبه رئيسا سابقا لمصر.

وبيّنت تسريبات صوتية بثتها قناة مكملين المعارضة، تلقي الإعلاميين توجيهات بنص ما يراد منهم قوله في مختلف القضايا، ويوجههم ضابط يدعى أشرف الخولي، لكن الحكومة المصرية نفت صحة تلك التسريبات.

وتتشابه العناوين الرئيسية للصحف الرسمية والخاصة حد التطابق خاصة في الأحداث الكبرى، ويتكرر المحتوى بدرجة توحي بأن هناك منشورا واحدا جرى تعميمه على كل الصحف، وهو ما دفع رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر إلى الاعتراف في تصريحات صحفية سابقة بأن الصحف المصرية باتت نسخا مكررة من بعضها بعضا.


من الهمس للعلن
كانت السخرية من تدهور أوضاع الصحف والصحفيين همسا، فصارت لعنا معلنا متداولا بين الصحفيين مع فناجين القهوة في صالات التحرير بالصحف الخاصة والرسمية، حيث تحوّل مسؤولو الصحف أنفسهم إلى رقباء يمنعون النشر، دون انتظار تعليمات الضابط المسؤول، فهم يبتدرون بمنع نشر كل خبر مشتبه فيه، خشية أن يغضب مسؤول ما، ويتحول الأمر إلى الفصل من العمل في الصحف الخاصة، أو العقاب بالتجميد في الصحف الحكومية.

وبات الصحفيون على دراية بالمطلوب للنشر من عدمه وطريقة المعالجة، فكل خبر سيئ لا بد أن يكون لجماعة الإخوان المسلمون يد فيه.

ولم تعد الظاهرة تدعو للتستر منها خجلا، بل أمست مدعاة للتباهي بالقدرة على اتخاذها جسرا للاستمرار في الوظائف، وتحفل صالات التحرير بحكايات كانت حتى الماضي القريب تدعو للخجل.  

ففي واقعة اعتداء ضابط على معلمة قبل أيام في محافظة بورسعيد، روى صحفي -يعمل بصحيفة انتقلت ملكيتها إلى أحد الأجهزة الأمنية أخيرا- أنه حاول نشر الواقعة التي تجاهلتها معظم الصحف بإعادة صياغة خبر الاعتداء، والوارد من المراسل بتفاصيله الحقيقية، ليتحول على يد الصحفي إلى خطأ فردي.

ورغم هذه المبادرة للتوافق التلقائي مع التعليمات، فإن القلق ساوره خشية ألا يكون ذلك هو المطلوب، فقام على سبيل الاحتياط بأخذ رأي مسؤوله، فما كان من الأخير إلا أن استبعد الخبر، وقال "يا بني إحنا مشغلنا ضابط، عايز تسيء لضابط زميله".


روح المقاومة
في جلساتهم الخاصة يعترف الصحفيون بأن المهنة باتت مهانة، وأنهم غير راضين عن أعمالهم، لكن روح المقاومة لا تزال تسري في دماء صحفيين يجبرهم "أكل العيش" على العمل الصحفي تحت المقصلة الأمنية.

وقال محرر ديسك بإحدى الصحف للجزيرة نت إنهم يحررون الأخبار كما يريد الضباط المشرفون ولكن بطريقة مبالغ فيها، بشكل يجعلها مادة للسخرية والتندر على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك انتقاما من هذه القبضة الكاتمة على أنفاسهم، بحسب تعبيره.

وبات من الصعب حصول الصحفي على تصريحات من مصادر صحفية أصابتها عدوى الخوف، ولتجاوز هذه الأزمة جرى اتفاق غير معلن بين الصحفيين على أن من ينجح في الحصول على تصريح يمرره لزملائه، ومن يرفض لن يستفيد لاحقا بميزة التشارك في التصريحات، مما ساهم في جعل الصحف ومواقعها الإلكترونية نسخا مكررة.


البحث عن عمل
وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي عرض صحفيين سيرهم الذاتية على الملأ بحثا عن أي عمل، في ظل تسريح المؤسسات مئات الصحفيين أخيرا نتيجة أزماتها المالية وتصريحات الحكومة المتكررة حول ترشيد الإنفاق وإعادة الهيكلة.

وهروبا من التضييق المالي والمهني، اتجه الصحفي علي للعمل سائقا عبر تطبيق أوبر، بعد أن عجز عن الوفاء بمتطلبات أسرته من راتبه القليل، واستغل مشاهداته اليومية لتحويل صفحته الشخصية في فيسبوك إلى صحيفة لحظية، ثم عاد ليحجم عن الكتابة في الشأن العام مكتفيا بمنشورات فكاهية.

لم يكن علي وحده من قرر التوقف عن مناقشة الشأن العام عبر مواقع التواصل، حيث سبقه ولحقه آخرون بعد أن قرر المجلس الأعلى للإعلام فرض عقوبات بآلاف الجنيهات -استنادا لقانون صدر حديثا- على صحفيين انتقدوا مسؤولين حكوميين، ومنهم الصحفي بالأهرام وجيه الصقار الذي عجز عن كتابة رأيه في سياسات وزارة التعليم في صحيفته، فكتبه على صفحته الشخصية، فجرى تغريمه بعشرة آلاف جنيه (الدولار نحو 16.5 جنيها).

والمصورون هم الأكثر استهدافا بالعقوبات والملاحقات الأمنية، فهم مطاردون بالشكوك بأن بعضهم يصوّر لصالح "القنوات المعادية للبلاد"، بحسب تعبير لنقيب الصحفيين ضياء رشوان، وهو أيضا رئيس لهيئة الاستعلامات الحكومية، على خلفية اعتقال مصور صوّر لحوم الأضاحي.

وجرى توقيف عدد من المصورين بتهمة التصوير في الشارع من دون إذن، بحسب تقرير للجنة الحريات بنقابة الصحفيين قيد الإعداد.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة