لوموند ديبلوماتيك: في السودان.. الدولة العميقة تناور

المجلس السيادي المكون من ستة مدنيين وخمسة عسكريين حلّ محل المجلس العسكري (رويترز)
المجلس السيادي المكون من ستة مدنيين وخمسة عسكريين حلّ محل المجلس العسكري (رويترز)
قالت مجلة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية في ملف لها إن الجيش السوداني يجد نفسه مضطرا، لأول مرة منذ عقود، إلى تقاسم السلطة مع المدنيين الذين يهيمنون على المجلس السيادي الذي أنشئ يوم 21 أغسطس/آب الماضي، في مرحلة انتقالية يجب أن تنتهي بعد 39 شهرا بإصدار دستور ديمقراطي.

وفي مقال أعده للمجلة جيرارد برونيي، ينبه الكاتب إلى أن الجيش مع ذلك يحتفظ بالوزارات الرئيسية (الدفاع والداخلية)، مشيرا إلى أن البلد ما زال يعتمد على مساعدة حلفائه السعوديين والإماراتيين.

وفي توطئة المقال، ذكَّر الكاتب بالمجزرة التي وقعت صبيحة الثالث من يونيو/حزيران الماضي عند تفريق رجال مسلحين الاعتصام المدني الذي بقي لمدة شهرين تقريبا أمام مقر القوات المسلحة السودانية، تلك المجزرة التي أدت إلى مقتل نحو 150 مدنيا.

وأشار إلى أن السودان رزح منذ يونيو/حزيران 1989 تحت وطأة جماعة إسلامية وصلت إلى السلطة في انقلاب عسكري، رأى أنه مزّق السودان لأسباب ثقافية عميقة، حيث سعت الحكومة بقيادة عمر البشير للترويج لبرنامج أصولي ثوري عالمي يهدف إلى إنهاء الصراع بين الشمال والجنوب.

وخلص الكاتب إلى أن الفشل المرير لهذه الإستراتيجية أجبر البشير على قبول انفصال الجنوب (600 ألف كيلومتر مربع) في عام 2011، ليصبح جنوب السودان الدولة العضو رقم 193 في الأمم المتحدة.

أخطاء متصاعدة
وأشار الكاتب إلى أن نظام البشير ارتكب خطأ إهمال القطاع الزراعي الذي ذهب هباء، وفي الوقت نفسه حاول فرض رؤية مغايرة للإسلام الذي يمارسه الشعب بطريقة متسامحة، كما أدى خطأ آخر إلى اندلاع حرب في إقليم دارفور.

وهكذا -يقول الكاتب- لم يعد لدى النظام ما يقدمه في عام 2019 سوى مشهد إخفاقاته المتكررة والفساد المتزايد، مما أدى مع تفاقم الأزمة الاقتصادية إلى كسر ظهر النظام، وتسبب في المواجهة بين الطغمة العسكرية والسكان، بعد احتجاجات 2013 التي قمعت، وأعادت تنظيم نفسها من جديد لتظهر في لباس تحالف الحرية والتغيير.

اتفاق تاريخي
وفي مقابل هذه الحركة، مارس المجلس العسكري الانتقالي السلطة بعد الإطاحة بالبشير يوم 11 أبريل/نيسان الماضي، مما أحدث غموضا بشأن ما وقع: هل هو انقلاب عسكري أم ثورة ديمقراطية؟ خاصة أن المجلس تولى السلطة دون أي تفويض ناتج عن العملية الهائلة للاحتجاج الشعبية التي بدأت مع مظاهرات 19 ديسمبر/كانون الأول 2018.

وعلى عكس الثورات السابقة في 1964 و1985، بدأت هذه الحركة اعتصامها أمام مقر القيادة العامة للجيش واكتسبت بسرعة بعدا وطنيا، صاحبته شعارات السلمية واللاعنف والحرية والثورة والنقمة على اللصوص، إضافة إلى شعار "السلطة للمدنيين".

ولكن بعيدا عن الكاميرات والأنظار، تعرض الثوار للوحشية أو القتل، كما يقول الكاتب، مشيرا إلى أن من أطلقوا النار على المتظاهرين لم يكونوا من رجال الجيش النظامي، بل من قوات الدعم السريع أو كتائب من جهاز الأمن الوطني والمخابرات، أي أنهم من "الدولة العميقة".

الصراع والعنف والقمع
وفي مقال آخر بالملف الذي أعدته المجلة، كتبت سيسيل مارين أن إحدى المفارقات في الحراك الثوري الكبير في أوائل عام 2019 تكمن في المحافظة العميقة على إرث الثورات السابقة، حيث بدا الحماس الثوري جليا من خلال أعلام ذلك الوقت وأغانيه التي يصدح بها الملايين.

وفي الخارج، لم يفهم سوى القليل من المراقبين هذه الثورة التي تحن إلى الماضي، حتى إن أوجه التشابه بينها وبين "الربيع العربي" بدت ضعيفة، إذ أظهرت النوع نفسه من العداء للدكتاتورية والتطلع إلى الديمقراطية، ولكنها لم تكن واهمة بشأن الإسلام السياسي الذي يمكن أن يؤدي ذكره إلى عنف كامن بين المتظاهرين، كما تقول الكاتبة.

وهذا ما يفسر دعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للقمع "الاستعماري" -حسب تعبير الكاتبة- لأن كلا البلدين يريد استعادة النظام الإسلامي دون جماعة الإخوان المسلمين ودون قاعدة شعبية مدعومة من "الدولة العميقة".

وبالنسبة للرياض وأبو ظبي اللتين تتشاطران الرؤية ذاتها للاضطرابات السياسية والاجتماعية "للربيع العربي" عام 2011، فإن المنظومة المثالية هي تعزيز الأسلمة الاستبدادية المؤسسية مع منع الثورات الراديكالية غير المنضبطة، لضمان السيطرة العربية على العالم الإسلامي، وبالتالي تهميش تركيا وإيران، ثم احتكار قنوات التمويل الإسلامي.

وبالتالي، فإن التغييرات السياسية في السودان التي يدعمها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هي أيضا جزء من استمرارية النفوذ المصري في وادي النيل، كما أنها تمثل الأمل في تحقيق النصر المطلق للمعسكر المعادي للثورات والذي يكافح من أجل فرض هيمنته منذ عام 2011، ولعل هذا ما يفسر إرسال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير باسم حميدتي مرتزقة إلى ليبيا واليمن نيابة عن الإماراتيين.

إضفاء الشرعية
وعلى هذه القاعدة المعقدة -تقول الكاتبة- حاول المجتمع الدولي، وللحفاظ على استقرار السودان، إضفاء الشرعية من خلال دعم الاتفاقات بين المجلس العسكري وخصومه من قوى التغيير، لتبدأ عملية مؤسسية لمدة 39 شهرا وصولا إلى دستور جديد ونظام مدني.

وقد حل المجلس السيادي المكون من خمسة عسكريين وستة مدنيين محل المجلس العسكري يوم 21 أغسطس/آب الماضي، في انتظار تكوين البرلمان، إلا أن أسئلة تبقى مطروحة من قبيل من سوف يسيطر على الجيش والمخابرات؟ وما السلام الدائم الذي يمكن بناؤه في المناطق الثلاث: دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان؟

ورأت الكاتبة أن "الدولة العميقة" السودانية تعزز قبضتها بفضل حماتها الإماراتيين والسعوديين الأقوياء، ولئن فاز المعارضون السودانيون بالمواجهة مع الدكتاتورية الإسلامية العسكرية، فإن هذا النصر الأخلاقي لن يكون له وزن في مواجهة إعادة التشكيل الجيوسياسي في العالم العربي.

وخلصت الكاتبة إلى أن السودان إذا كان قد خرج من الدكتاتورية، فإنه لم يعثر بعد على مسارات لاستقرار جديد يجعل التدخلات الأميركية غير مرجحة.
المصدر : الصحافة الفرنسية