كيف حاصر السيسي القاهرة في جمعة الخلاص؟

الشرطة المصرية أغلقت الميادين الكبرى وشددت الإجراءات الأمنية تحسبا لمظاهرات "جمعة الخلاص" (الجزيرة)
الشرطة المصرية أغلقت الميادين الكبرى وشددت الإجراءات الأمنية تحسبا لمظاهرات "جمعة الخلاص" (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

تركت علا (موظفة مصرية) هاتفها الذكي في منزلها، واكتفت بحمل هاتف بدائي، وودعت طفلتيها وهي توصي والدتها برعايتهما لو سقطت برصاص الشرطة، ثم اتجهت لمحطة مترو المنيب (جنوبي الجيزة).

خرجت علا استجابة لدعوات التظاهر التي أطلقها الممثل والمقاول محمد علي، لمطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتنحي أو عزله عبر الجيش.

مضت في شوارع المنيب عقب صلاة الجمعة، وهي تحاول إظهار الثبات في كل مرة تدوي إلى جوارها أبواق سيارات شرطة تحمل جنودا مدججين بالسلاح، وتمشط الشوارع وتستوقف المارة من الشباب.

استقلت المترو متجهة للتحرير، لكن المترو مر من محطة السادات (التحرير) دون أن يتوقف، ثم محطة جمال عبد الناصر دون توقف أيضا، مما أثار غضب الركاب، حتى وقف في محطة الشهداء (مبارك سابقا) أسفل ميدان رمسيس، لتصعد فوق الأرض، وتتلفت فلا تجد إلا الشرطة في كل ركن، في حالة استنفار وتوتر.

شعرت بالقلق فتظاهرت بأنها تائهة، فسألت رجلا يبدو عليه القلق عن شارع الفجالة، ففوجئت بأن من يدلّها يتدلى من وسطه مسدس، فعرفت أنها سألت شرطيا في زي مدني.

لم تعرف أين تذهب، وتفحصت الوجوه حولها، ذات الملامح التائهة مثلها، تلتقي الأعين حاملة سؤالا حائرا: هل أنت مثلي أم من الأمن؟

الشرطة المصرية شنت حملة لتفتيش هواتف المارة واعتقال من يتفاعل مع دعوات التظاهر (مواقع التواصل)
إجهاض مبكر
على بعد كيلومترات من المنيب، وتحديدا في منطقة "الكُنَيسة" بالجيزة، كانت هناك مظاهرة لم يكد المشاركون فيها يخرجون من المسجد عقب صلاة الجمعة هاتفين برحيل السيسي، حتى حاصرتهم الشرطة، واعتدت عليها واعتقلت عددا من المشاركين فيها، حسب حقوقيين.

أما المساجد الكبرى بالجيزة مثل مسجد الاستقامة (وسط الميدان)، ومسجد خاتم المرسلين بالعمرانية ومسجد السلام بالهرم، التي دعت صفحات ثورية لانطلاق المظاهرات منها؛ فقد حاصرتها قوات الشرطة، وتراجع مواطنون توافدوا عليها للتجمع عندها عندما وجدوا الشرطة وحدها بالانتظار.

وأفلتت أعصاب سيدة أربعينية تقود سيارة حديثة بالقرب من مسجد خاتم المرسلين بسبب الحصار المضروب على منطقتها، فأخذت تصرخ في وجه رجال الشرطة وهي تخرج رأسها من نافذة سيارتها، ثم انطلقت مسرعة قبل أن يتمكنوا من إيقافها.

ويعرض الجلوس على المقاهي القريبة من الميادين العامة ومناطق تجمع المظاهرات صاحبه للاشتباه، إذ تتباطأ دوريات سيارات الشرطة عندما تمر على إحداها، لينظر من فيها من ضباط المباحث للجالسين بكثير من الريبة.

يقول محمد (فتى يعمل بإحدى المقاهي بالجيزة) وهو ينظر لشاشة إحدى القنوات المحلية التي تعرض ميدان التحرير فارغا: "كيف ذلك! وكل أصحابي ذهبوا للميدان؟"

لم يكن محمد يعلم أن رفاقه الذين ذهبوا للتحرير قد وجدوا كل الطرق إليه مسدودة، فتفرقوا أو عادوا.

وانتشرت الأكمنة على مختلف الجسور والكباري المؤدية لقرب الميادين الرئيسية، وأعلنت السلطات أن غلق المحطات والجسور بسبب أعمال الصيانة الدورية، كما انتشرت حواجز لغلق الطرق المؤدية لوسط القاهرة.

حول ميدان التحرير لم تكتف السلطات بإجبار أصحاب المقاهي على إغلاقها بالأمر المباشر، بل وصل الأمر إلى غلق بعض فروع شركات المحمول القريبة من محيط الميدان، لسبب غامض.

وجالت بشوارع القاهرة وبشكل لافت وكثيف حملات شرطية مكونة من سيارات شرطة حديثة تعلوها كاميرات تصوير مثبتة على حوامل، وميكروباصات ترافق عربات شرطة بها ملثمون تبرز عضلاتهم.

مغامرة مرعبة
ومثلما كان من المستحيل الوصول لميدان التحرير، كان التنقل بين مناطق الجيزة مغامرة مرعبة، فعربات الميكروباص يجري إيقافها بواسطة أفراد بزي مدني، متوترين ومدججين بالأسلحة، يقومون بتدقيق النظر في من داخل السيارات، ليتم إنزال الشباب وفحص هواتفهم المحمولة.

وأبلغ سائقو نقل الأجرة الركاب من منطقة فيصل بمحافظة الجيزة أن نهاية الرحلة هي آخر الشارع دون العبور لميدان الجيزة، كما هو معتاد، وفقا لتعليمات أمنية منعا لاحتشاد المتظاهرين في الميدان الكبير، وهو ما حدث في مناطق أخرى بالقاهرة، وفق شهود عيان.

واختفت من الشوارع لدرجة الندرة سيارات نقل الأجرة قبيل العصر، مع انتشار الكمائن وإبلاغ السائقين بعضهم البعض بخطورة العمل هذا اليوم لقيام الشرطة بسحب رخص القيادة.

وتداول نشطاء تحذيرات بوجود قناصة أعلى بعض العمارات تحت الإنشاء، وهو ما لم يتسن التأكد من صحته.

مظاهرات ليلية
ومع تشديد الحصار سرى الإحباط بين مناهضي النظام، عقب موجة تفاؤل غير مسبوقة، ومع غروب الشمس حملت الأنباء قيام مواطني منطقة حلوان جنوب القاهرة بمظاهرات استمرت ساعات قبل أن تقوم الشرطة بفضها بعنف، وقال شهود عيان إنهم سمعوا دوي طلقات خرطوش ورصاص حي، قبل أن يتفرق المتظاهرون.

وجرت عمليات كر وفر بين الشرطة والمتظاهرين في منطقة كفر العلو (جنوب القاهرة)، أعقبها قيام دوريات الشرطة بتمشيط المنطقة واعتقال عدد من المارة، ثم ساد الظلام المنطقة عقب قطع التيار الكهربائي لفترة، وفق شهود عيان.

واستمرت الدوريات الأمنية حتى ساعات متأخرة من مساء أمس الجمعة بمناطق مختلفة من القاهرة، وداخلها أشخاص مدنيون يحملون "الشوم" (العصيان الغليظة)، يُرجح أنهم من البلطجية المرافقين للدوريات الأمنية.

المصدر : الجزيرة