هل يستخدم الجيش صلاحياته الدستورية لعزل السيسي؟

دبابات الجيش وسط المتظاهرين بميدان التحرير إبّان ثورة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق مبارك (رويترز)
دبابات الجيش وسط المتظاهرين بميدان التحرير إبّان ثورة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق مبارك (رويترز)

 عبد الله حامد-القاهرة

التطورات الراهنة في مصر وما شهدته الأيام الأخيرة من مفاجآت تمثلت في اندلاع مظاهرات تطالب برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي، أثارت لدى الكثيرين التساؤل عن احتمال تدخل الجيش المصري لحسم الأمور، بما له من صلاحيات دستورية منحتها له تعديلات دستورية أُقرت منتصف أبريل/نيسان الماضي.

وتردد هذا التساؤل على لسان مراقبين وظهر أيضا في مواقع التواصل الاجتماعي التي انشغل روادها بالفيديوهات التي يبثها بشكل يومي الفنان ورجل الأعمال محمد علي، الذي عمل مقاولا مع الجيش لسنوات قبل أن يبدأ في كشف وقائع فساد تورط فيها السيسي وزوجته وعدد من قادة الجيش.

وتساءل كثيرون عما إذا كان الجيش يبدو قريبا من التحرك لمطالبة السيسي بالتنحي عن السلطة أو حتى التدخل لعزله.

في الواقع، تنص المادة 200 من الدستور المعدل على أن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".

وجرى استفتاء على هذه المادة ضمن مواد أخرى توسّع صلاحيات رئيس الجمهورية وتمدد بقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عام 2030، وقال معارضون وقتها إن تلك المادة كانت ثمنًا لموافقة الجيش على تعديل الدستور وتمديد فترة رئاسة السيسي.

وكان النص قبل التعديل يقول إن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية"، دون إشارة لدورها في التدخل لحماية الدولة ومدنيتها وحقوق وحريات الأفراد.


التدخل وارد
اللافت في تعديلات هذه المادة كان تلك الكلمات الفضفاضة المتعلقة بـ"صون الدستور والديمقراطية ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد"، والتي يمكن استغلالها للانحياز إلى جانب المطالب الشعبية التي تجلت في الاحتجاجات الأخيرة، بحسب محللين.

واعتبر زعيم حزب غد الثورة أيمن نور أن هذه المادة -على احتمال نفعها حاليا- تمثل خللا في فكرة دولة المؤسسات وخلطا في الأوراق والمسؤوليات، وهي من أخطر المواد التي تم تعديلها.

واستدرك بالقول إنه إذا كانت هذه المادة الآن هي في صلب الدستور فهي تسمح للمؤسسة العسكرية بأن تلعب دورا في حماية البلاد من الاضطرابات، ورغم تحفظاته على هذه المادة فإنها برأيه تسمح للمؤسسة بالاستناد إليها للتدخل في عزل السيسي، باعتبار أن هذا الرجل اعتدى على الدستور سواء في واقعة تيران وصنافير لأنه أخل بسلامة البلاد ووحدتها، أو في وقائع كثيرة عطل فيها الكثير من مواده.

ويعتقد نور في حديثه للجزيرة نت أن هذه المادة تصلح غطاء دستوريا للتدخل من قبل القوات المسلحة للدعوة إلى مرحلة انتقالية أو انتخابات رئاسية مبكرة عقب عزل السيسي لأن الدستور الحالي أصبح مليئا بالثغرات، ومن بينها هذا النص.

وبشكل عام فإن السياسي المصري يؤكد أن قضية العلاقات المدنية العسكرية في حاجة لإعادة ترسيم للحدود فيما بينها، مشيرا إلى أن الجيش هو جزء من السلطة التنفيذية، وهو جزء من سلطات الدولة التي يجب أن يكون هناك توازن في علاقاتها عبر حوار مدني عسكري يضع كل مؤسسة في مكانها الصحيح لتأدية دورها المناسب.

من الصراع إلى الثورة
بدروه يعتقد مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية ممدوح المنير بوجود صراع محتدم داخل النظام، مؤكدا أن الحسم سيكون داخليا رغم دعم ترامب المعلن لجناح السيسي، ولن يغير ذلك من طبيعة الصراع ولا قوته.

وتابع المنير في حديثه للجزيرة نت أن السيسي يقدم اليوم كل التنازلات الممكنة لإسرائيل والأميركيين كي يستمر في السلطة.

ولفت إلى أن التعديلات الدستورية تتيح للجيش التدخل بدعوى الحفاظ على الديمقراطية وأمن وسلامة البلاد، وهو ما يعني أن الإدارة الأميركية ستضطر للتعامل مع أي رئيس يدعمه الجيش، وفي الوقت نفسه سيقدم المجلس العسكري بديلا للسيسي يحظى بعلاقة جيدة مع الأميركيين.

واعتبر أن ما وصفها بالمعركة يجري تداولها في ثلاث نقاط ساخنة، وهي واشنطن وتل أبيب والقاهرة، مضيفا "لكن في حالة نزول الناس للشوارع والمطالبة برحيل العسكر وليس السيسي فحسب، يمكن أن تنتقل الثورة من مرحلة صراع الأجنحة إلى ثورة شعب حقيقية"، متوقعا تحرك الجيش تحت غطاء جماهيري لتنحية السيسي إذا كان الحشد كبيرا الجمعة المقبلة.

ولا يمكن القطع بوقوع سيناريو بعينه، في تقدير المنير، فالنظام فاشٍ مستبد لا يتغير بإرادة الناس وصندوق الانتخابات، ولا يمكن مناقشة التوقعات بشأن من الرابح والخاسر، ولكنها صراعات سلطة وقوة، فضلا عن التدخل الخارجي السافر في شؤون الوطن.

ويؤكد المنير أن نزول الجماهير سيقطع الطريق على كل الاحتمالات المخيفة لتقول كلمتها الأخيرة، وهنا لن تقع مواجهات عنيفة مباشرة بين أجنحة قوية أو تدخل خارجي غير مرغوب فيه.

انحياز للشعب
يذكر أنه قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة، قدمت وسائل إعلام رسمية ومقربة من السلطة شروحا لهذه الفقرة بالقول إن القوات المسلحة هي الحامية والضامنة للديمقراطية ومدنية الدولة.

وبينما اعتبر مراقبون وقتها أن هذه الفقرة جاءت محاولة من واضعيها لمنح الجيش ضمانات تحفظ مكانته في ظل توسع وتغول دور مؤسسة الرئاسة، قالت وسائل إعلام رسمية إنها تضمن أن تبقى القوات المسلحة ملكا للشعب وتنحاز له هو فقط وليس لأي رئيس أو مسؤول، وأن تحافظ على مقومات الدولة ومؤسساتها.

وقال السياسي المقرب من السيسي ومدير مكتبة الإسكندرية مصطفى الفقي إن النص على حماية مدنية الدولة من جانب القوات المسلحة أمر لازم لأنه يقطع الطريق على بعض الذين يتحدثون بشكل سلبي عن الواقع في مصر.

وأعرب في تصريحات متلفزة عن اعتقاده بأن القوات المسلحة هي المستجيبة دائما لإرادة الشعب، كما حدث عامي 2011 و2013، لأن القوات المسلحة هي طليعة من طلائع الشعب المصري تعبر عنه وتتلقى الأوامر منه، وتحفظ هذا الوطن في كل الظروف.

المصدر : الجزيرة