الإعلام والجماهير في أميركا.. الثقة المفقودة

محتج يتنكر على هيئة ترامب وهو يحمل صحيفة مزيفة للتنديد بحملة الرئيس على "الإعلام الكاذب" (رويترز-أرشيف)
محتج يتنكر على هيئة ترامب وهو يحمل صحيفة مزيفة للتنديد بحملة الرئيس على "الإعلام الكاذب" (رويترز-أرشيف)

أحمد دعدوش

بالتوازي مع ازدياد سهولة انتشار المعلومات والأخبار في السنوات الأخيرة، تنهار ثقة الجماهير في أكثر الدول انفتاحا وتقدما بالإعلام، وحتى بالمؤسسات الإعلامية العريقة، حتى أصبح التصدي للإعلام "الكاذب" من وسائل الدعاية الناجحة في الحملات الانتخابية، ولا يبدو أن الثقة ستعود قريبا.

ووفقا لدراسة أعدتها شركة إبسوس العام الماضي، تتصدر الولايات المتحدة دول العالم في نشر الأخبار الزائفة، تليها روسيا والصين. كما يقر 86% من مستخدمي الإنترنت بأنهم وقعوا ضحية للشائعات، ولا سيما تلك التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن أصابع الاتهام لا تتجه نحو مواقع التواصل وحدها، التي يسعى مالكوها في وادي السيليكون مؤخرا لشن حملات ضد مروجي الأكاذيب على صفحاتها، فالثقة في وسائل الإعلام العريقة ليست أفضل حالا.

ففي عددها الصادر في شتاء 2019، نشرت المجلة الفصلية "كولومبيا جورناليزم ريفيو" الصادرة عن جامعة كولومبيا في نيويورك، نتائج استطلاع للرأي يكشف عمق الهوة بين الجمهور والإعلام، مما دفع بالعديد من وسائل الإعلام الكبيرة إلى تسليط الضوء على هذه الدراسة.

ومن النتائج اللافتة أن الباحثين طرحوا على أكثر من 4200 أميركي أسئلة عن ثقتهم بأهم مصادر المعلومات، فكانت نسبة الثقة من الأعلى إلى الأدنى وفقا للترتيب الآتي: الجيش، أجهزة فرض القانون، الجامعات، المحكمة العليا، السلطة التنفيذية (البيت الأبيض)، الكونغرس، وأخيرا الإعلام.

وعندما سئل أفراد العينة عن رأيهم في احتمال حصول الصحفيين والمراسلين على المال لصياغة الأخبار والتقارير في اتجاه معين، أجاب 60% منهم بأنهم مقتنعون بحدوث ذلك، كما قال 56% منهم إن البلاد تتجه نحو الأسوأ فيما يتعلق بالثقة في الإعلام.

أحد أعداد مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" (الأناضول-أرشيف)

انهيار تاريخي
ولعل أشهر المؤشرات التي تصلح للمقارنة على مدى عقود هي البيانات التي تقدمها مؤسسة غالوب الأميركية منذ سبعينيات القرن الماضي، ففي العام 1972 كان 68% من الأميركيين يثقون بوسائل الإعلام، كما ارتفعت هذه النسبة إلى 70% عام 1976، ثم بدأت بالانخفاض.

فعندما أعادت المؤسسة طرح أسئلتها بعد عقدين من الزمن، وجدث أن الثقة في وسائل الإعلام انهارت إلى 53%، واستقرت عند هذا المستوى تقريبًا حتى العام 2003 الذي شهد التجييش الرسمي وغير الرسمي للحرب الواسعة على ما سمي بالإرهاب، فلم تعد ثقة الأميركيين بإعلامهم تزيد عن النصف منذ بداية الألفية، ووصلت إلى 40% فقط عام 2012، ثم إلى أدنى مستوياتها عام 2016 عند 32%.

ومع أن بعض التفاؤل أنعش وسائل الإعلام في العام التالي، فإن الثقة لم تصل إلى عتبة النصف بعد، وقد كتب المحلل في مؤسسة غالوب جيفري م. جونز العام الماضي مقالا نشره على موقع المؤسسة، يثني فيه على التعافي النسبي لهذه الثقة المنهارة.

وقال جونز إن التعافي يظهر أكثر عندما نفصل بين اليسار واليمين، فثقة الديمقراطيين ارتفعت عام 2018 إلى 76%، وهي أعلى نسبة بين الديمقراطيين منذ عشرين سنة. كما ارتفعت نسبة الثقة لدى المستقلين إلى 42% كأفضل نتيجة منذ العام 2005. لكن ثقة الجمهوريين تبقى منخفضة دائما، فلم تزد العام الماضي عن 21%، مع أنها أفضل مما كانت عليه عام 2016، وهي نسبة 14%.

ولعل هذا التعافي -على ضآلته- في ثقة الجمهوريين بالإعلام يعود إلى الحملة المستمرة التي يقودها الرئيس دونالد ترامب على ما يسميه الإعلام المزيف، إذ يبدو أنه نجح في اللعب على وتر انهيار الثقة في الإعلام لدى معسكر اليمين ليجعل من حربه المعلنة هذه أحد أهم بنود حملته الانتخابية، وهي حرب ما زالت تستقطب حماس مؤيديه إلى اليوم.

وبنى المحلل جونز تفاؤله على استطلاع لمؤسستي غالوب ونايت رجح فيه غالبية المستطلعة آراؤهم من الأميركيين أنهم ما زالوا يعتقدون أن للإعلام دورا مهما في الديمقراطية، وأنه حتى أولئك الذين أكدوا فقدان الثقة في وسائل الإعلام، يعتقدون أنه يمكن استعادة تلك الثقة.

الجادة السادسة في نيويورك تعد مقرا للمؤسسات الإعلامية الكبرى (الفرنسية)

مؤسسات عريقة
في أغسطس/آب 2018 نشرت مؤسسة سيمونز الأميركية نتائج استطلاع للرأي حول ثقة الأميركيين بأهم وسائل الإعلام، وكان اللافت أن أكثر تلك الوسائل موثوقية لم يحصل على ثقة أكثر من 57.7% من المستطلعين البالغ عددهم أكثر من ألفي شخص، وهي وول ستريت جورنال.

ثم جاءت بعدها قناة "أي.بي.سي" بنسبة 55.9%، فقناة "سي.بي.أس" (55.4%)، تليها قناة "بي.بي.سي" (55.2%)، ثم مجلة "فوربس" وقناة "أن.بي.سي" (54%)، تليهما صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" بنسب متقاربة تزيد عن 53.5%.

وكان لافتا أن مؤسسات كبرى مثل وكالتي رويترز وبلومبرغ وقناتي "سي.أن.أن" و"فوكس نيوز" وصحيفة الغارديان ومجلة إيكونوميست وغيرها، لم تتمكن من تحقيق موثوقية تصل إلى 50% فقط لدى الأميركيين.

ومع أن تراجع الثقة بالإعلام بات مشكلة عالمية، وغربية على الأخص، فإن المقارنة بين الواقع في أميركا ودول غربية أخرى يكشف عن تفاوت لافت.

ففي بريطانيا، كشف استطلاع رأي أعده معهد "بيو" للإحصاء أواخر العام 2017 أن 79% من البريطانيين يثقون في أخبار شبكة البي.بي.سي، تليها شبكة "آي.تي.في" بنسبة 74%، ثم شبكة سكاي بفارق لافت مع حصولها على نسبة 55%، تليها صحيفة الغارديان التي لم تحصل على ثقة تزيد عن النصف.

أما عندما يتعلق الأمر بمؤسسات إعلامية أكثر شعبية مثل ديلي ميل وديلي ميرور، أو ناشئة مثل هاف بوست، فلم تزد ثقة الجمهور عن الثلث، على الرغم من أن بعض هذه المؤسسات كانت تعول على صورتها الجديدة كوسائل إعلام جديدة متمردة تغرد خارج سرب المؤسسات العريقة المرتبطة عادة بمصالح الحكومات والمتنفذين.

كما كشف الاستطلاع نفسه أن الثقة ترتبط أحيانا بتوجه الجمهور، فمثلا يحظى موقع هاف بوست بثقة 35% من اليساريين مقابل 19% فقط من اليمينيين. كما ترتفع نسبة الثقة في الغارديان لدى اليسار إلى 69%، مقارنة بـ46% لدى اليمين.

المصدر : الصحافة الأميركية