قيس سعيّد.. من مدارج الجامعات إلى معارج الحكم

قيس سعيّد تصدّر نتائج الدور الأول دون "ماكينة" حزبية أو إعلامية (رويترز)
قيس سعيّد تصدّر نتائج الدور الأول دون "ماكينة" حزبية أو إعلامية (رويترز)

محمد علي لطيفي

على وقع شعارات وطنية ظهر أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد وهو يحتفل مع أنصاره في العاصمة تونس بعد إعلانه فوزه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية على منافسه رئيس حزب "قلب تونس" نبيل القروي.

لم يكن يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول يوما عاديا في حياة أستاذ القانون الدستوري، إذ استطاع أن يحقق حلم عمره السياسي، وهو يتصدر -من دون "ماكينة" حزبية أو إعلامية، وبإمكانات محدودة- نتائج الانتخابات الرئاسية في دورها الثاني، رافضا التمويل العمومي الذي تمنحه الدولة للمرشحين.

عاش سعيّد (61 عاما) مع أسرته المتوسطة الدخل في شقة وسط العاصمة تونس، وعُرف في مداخلاته الإعلامية بتعففه عن السلطة والقصور والمآدب الفاخرة، لكنه سرعان ما غير قراره معلنا ترشحه للسباق الرئاسي، تلبية لما أسماه نداء الواجب ومواجهة المنظومة الحزبية من باب مسؤوليته تجاه الوطن.

بملامحه الغامضة والتحامه العفوي مع فئات الشعب وخطابه الرصين، استطاع سعيّد -الأب لثلاثة أبناء- أن يكسب قلوب شق كبير من التونسيين، رافعا شعار "الشعب يريد"، وهو ذات الشعار الذي رفعه الشباب الثائر في 2011.

معوّلا في حملته الانتخابية على تبرعات أنصاره وعلى ملصقات وصورٍ دعائية أعدها داعموه دون مقابل، تمكن من تحقيق المفاجأة وإزاحة مرشحي الأحزاب التقليدية الذين أنفقوا ملايين الدولارات على حملاتهم.

واعتبر مراقبون أن هذا الصعود المفاجئ كان درسا آخر للأحزاب التقليدية التي لم تستوعب حقيقة ما حصل، بعدما سحب منها سعيد البساط بقوة، بما فيها حركة النهضة ذات الثقل السياسي الكبير.

الآلي المعجزة
وُصف سعيد بكونه مرشح النخبة المتعلمة المتمثلة خاصّة في الشباب، الذين توافدوا على مراكز الاقتراع لاختياره وكانوا النسبة الأعلى بين ناخبيه. ركز حملته بين المقاهي والأحياء الشعبية الفقيرة، وجاب أغلب مناطق البلاد مستقلا سيارته الصغيرة التي تقاسم سعر بنزينها ومصاريف التنقل مع أنصاره.

المبشر بالتغيير مرشح بسيط استطاع أن يستقطب الشباب المثقف الذين صوّت له بقوة، بخطاب بسيط يحاكي الواقع والمعاناة اليومية للناس، رغم أنه لم يكن يملك آلة إعلامية أو سياسية أفضل من مرشحين وصفوا أنهم من الوزن الثقيل، غلبت على خطاباتهم المقولات الفكرية أو الأيديولوجية.

عرف سعيّد بفصاحته وطلاقته وصوته الجهوري عندما يتحدث باللغة العربية وهو يقدم القراءات ويوضح مكامن الغموض من الجانب القانوني، خلال مداخلاته الإعلامية منذ سقوط الراحل زين العابدين بن علي، التي اعتُمد فيها كخبير في القانون الدستوري.

وارتكز سعيّد في برنامجه السياسي والانتخابي على فلسفة الحكم المحلي ولا مركزية السلطة مع ديمقراطية محلية ونواب يمكن إقالتهم أثناء ولايتهم؛ وهو يرفض بشدة أي تحالف حزبي متمسكا بمشروعه "القائم على الديمقراطية المحلية".

مواقف وجدل
وفي المقابل يعيب بعض الحقوقيين على الأستاذ الذي خبر التعليم الجامعي ومدارج كليات الحقوق والقانون، أن تكون مواقفه رافضة لمبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، محتكمة للنص القرآني.

كما ينتقد آخرون موقفه القاضي بحل البرلمان لفائدة المجالس المحلية، ونيته إلغاء الانتخابات التشريعيّة وطرح مشاريع جديدة لتعديل الدستور عبر الاستفتاء الشعبي إن هو بلغ سدة الرئاسة.

وتبعا لهذه المواقف، يرى حقوقيون أن الأستاذ الجامعي قد تناسى الصلاحيّات المحدودة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهوريّة، وهو ما قد يضعف شعبيته.

قد يلقى سعيّد معارضة من مكونات المجتمع المدني، ولا سيما أنّه يفتقد ظهيرا حزبيا أو كتلة برلمانيّة تعزز قدرته على المناورة والقيام بتحالفات لتفعيل الحدّ الأدنى ممّا يطرحه من مشاريع قوانين.

وأعلن مترشحون انسحبوا من الدور الأول دعمهم لقيس سعيد، بينهم الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي، ومحمد عبو، ولطفي المرايحي، والصافي سعيد.

المصدر : الجزيرة