زلزال الرئاسيات في تونس.. أي ارتدادات على الانتخابات التشريعية؟

شاب يطالع صحيفة تونسية في أحد شوارع تونس العاصمة (رويترز)
شاب يطالع صحيفة تونسية في أحد شوارع تونس العاصمة (رويترز)

خميس بن بريك-تونس

توقع مراقبون أن تشهد نتائج الانتخابات التشريعية في تونس -المقرر إجراؤها في السادس من الشهر المقبل- "زلزالا جديدا" مشابها لما حصل في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التي يتنافس في دورها الثاني المرشح المستقل قيس سعيّد ورجل الأعمال الموقوف بتهمة الفساد المالي نبيل القروي.

وفاجأ الأستاذ الجامعي قيس سعيّد الجميع بعد تصدره الدور الأول بإمكانيات بسيطة، بينما نجح مالك تلفزيون "نسمة" نبيل القروي من تبوؤ المركز الثاني.

ويرى مراقبون أن نتائج الدور الأول الذي أجري يوم 15 سبتمبر/أيلول الحالي، حملت في طياتها بوادر فشل أحزاب الائتلاف الحكومي عقب هزيمة مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو، ومرشح حزب "تحيا تونس" رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد.

ارتدادات سلبية
وفي السياق، يقول المحلل السياسي منذر بالضيافي للجزيرة نت إن جميع نتائج استطلاعات الرأي حول نوايا التصويت والتي كانت نتائجها متطابقة مع أرقام هيئة الانتخابات بهامش خطأ ضئيل جدا، تؤكد مرة أخرى أن "زلزال" نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ستتبعه "ارتدادات سلبية" على أحزاب الائتلاف الحاكم.

قيس سعيد (يمين) ونبيل القروي (الجزيرة)

وتوقع محللون تصدّر حزب "قلب تونس" نتائج الانتخابات التشريعية تليه حركة النهضة. وقال بالضيافي إن المنظومة الحزبية ستواصل تقهقرها على غرار أحزاب "نداء تونس" و"تحيا تونس" و"مشروع تونس" والمعارضة اليسارية، لكنه تكهن بصعود قائمات ائتلافية مستقلة ذات خلفية ثورية.

وبدأ حزب "قلب تونس" الذي أسسه حديثا قطب الإعلام والأعمال نبيل القروي في يونيو/حزيران الماضي، يتغلغل في الأوساط الشعبية والفئات الفقيرة، عبر المساعدات والعمل الخيري. ويقوم خطه السياسي على التوجه الليبرالي الاجتماعي، ويراهن على محاربة الفقر والعدالة الاجتماعية.

ولاحظ ناشطون أيضا صعود قائمات انتخابية مستقلة على غرار "عيش تونسي"، وأخرى ائتلافية كائتلاف "حركة شباب تونس" الداعم لترشيح قيس سعيد في الرئاسية، إضافة إلى "ائتلاف الكرامة" الذي رشح المحامي سيف الدين مخلوف للانتخابات الرئاسية، وهو من أنصار قيس سعيد ويسعى لتأميم الثروات الطبيعية.

ويقول بالضيافي للجزيرة نت إن تركيبة المشهد السياسي المقبل ستشهد تغيرا جذريا بعد الانتخابات التشريعية، مع توقع حصول "مفاجآت جديدة" وصعود قوى سياسية غير تقليدية بكتل أكبر من الكتل النيابية التي تستحوذ عليها بالبرلمان الحالي كل من حركة النهضة وحركة "تحيا تونس" وحركة "نداء تونس".

خلال الاقتراع بالانتخابات الرئاسية الأخيرة (رويترز)

ويرجع بالضيافي تقهقر نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم أساسا إلى تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية طوال السنوات الأخيرة بعد الثورة، مما عمّق حالة الإحباط وانعدام الثقة لدى الناخبين الذين صوتوا بالدور الأول من الانتخابات الرئاسية بصفة عقابية لأحزاب الائتلاف الحاكم التي منيت بهزيمة رغم حملاتها.

غياب التأطير
ويقود البلاد منذ الانتخابات التشريعية في سنة 2014 ائتلاف حاكم ارتكز على سياسة التوافق بين نداء تونس وحركة النهضة، لكن عقب أزمة استقالات هزت "نداء تونس" واختلاف وجهات النظر مع حركة النهضة، شكلت الأخيرة ائتلافا حاكما جديدا مع "تحيا تونس" أحد الأحزاب المنبثقة عن "نداء تونس".

ولم تشمل هزيمة الانتخابات الرئاسية أحزاب الائتلاف الحاكم وحدها وإنما أحزاب المعارضة أيضا. ويقول بالضيافي إن فشل جميع هذه الأحزاب -حكامها ومعارضتها- يعود لفشلها في تأطير المواطنين وغياب كبير في التواصل المباشر معهم، على عكس القوى السياسية الصاعدة التي احتكت بالمهمشين والشباب.

وعقب هزيمتها في الانتخابات، لم يستبعد المتحدث أن تعلن الأحزاب الكبرى بالائتلاف الحاكم -وهي حركة النهضة و"تحيا تونس"- فك الارتباط بينهما وإنهاء سياسة التوافق التي جمعتهما طوال السنوات الماضية، في ظل توقع تراجع نتائجهما في الانتخابات التشريعية بانتظار تشكل تحالفات جديدة "صعبة".

جانب من تصويت الشباب التونسي في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية (الجزيرة)

وقدّر بالضيافي أن يتشكل البرلمان القادم بعد صدور نتائج الانتخابات التشريعية من كتل مشتتة لا تملك أغلبية مريحة لتكوين الحكومة المقبلة، على عكس انتخابات 2014 التي صعدت فيها حركتا نداء تونس والنهضة، متوقعا أن تشهد عملية بناء التحالفات القادمة صعوبات كبيرة نظرا للتشتت واختلاف التوجهات السياسية.

قوى مشتتة
من جهته يتفق الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي عبد الله العبيدي مع بالضيافي، متوقعا أن يتكون البرلمان القادم من قوى سياسية مشتتة من تيارات ومرجعيات أيديولوجية مختلفة، مما "سيجعل من تشكيل التحالفات عملية صعبة ومعقدة قد تسبب باستحالة تشكيل حكومة حولها حزام سياسي قوي".

ويقول للجزيرة نت إن فرضية صعود قوى سياسية جديدة على غرار "قلب تونس" وصعود قوى سياسية تختلف معه في التوجهات، سيجعل من تشكيل الحكومة "أمرا صعبا"، مشيرا إلى أن المفاوضات حول تشكيل الحكومة من قبل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد بالبرلمان سترتكز على تقديم تنازلات ومصالح.

انتخابات مبكرة
ولم يستبعد أن تتجه تونس لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في حال تعذر على حزب الأغلبية تشكيل حكومة في حدود المهلة الدستورية الممنوحة، مؤكدا أنه بحسب ما أفرزته نتائج الانتخابات الرئاسية "لن يكون هناك في البرلمان القادم كتل برلمانية قوية ومتجانسة، وإنما مجموعات برلمانية صغيرة تفرقها المصالح".

التونسيون لم يصوتوا بكثافة في الدور الأول للرئاسيات (رويترز)

وأخذ نظام الحكم في تونس بعد المصادقة على الدستور الجديد في سنة 2014 منحى النظام البرلماني، حيث ينص الفصل 89 منه على تكليف الحزب أو الائتلاف الفائز بأغلب مقاعد البرلمان بتشكيل حكومة خلال شهر واحد من إعلان النتائج النهائية.

وفي حال لم تفرز مشاورات الحزب الفائز أية نتيجة، يقوم رئيس الجمهورية بإجراء مشاورات مع الأحزاب والكتل النيابية في غضون عشرة أيام لتكليف شخصية من الحزب الفائز تشرف على تشكيل حكومة في ظرف شهر واحد.

وفي حال مضي أربعة أشهر دون مصادقة البرلمان المنتخب على تشكيل حكومة جديدة، يقوم رئيس الجمهورية بحل البرلمان والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في مدة لا تقل عن 45 يوما ولا تتجاوز 90 يوما.

وستجرى الانتخابات التشريعية يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، على أن يجرى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية بين قيس سعيّد ونبيل القروي إما في نفس اليوم أو في 13 من الشهر نفسه، حسب ما ستقرره هيئة الانتخابات مع انتهاء جميع آجال الطعون ابتدائيا واستئنافا في نتائج الدور الأول للرئاسية.

المصدر : الجزيرة