رقمنة الصحف الحكومية بمصر.. تأميم مبكر أم محاولة للتطوير؟

الهيئة الوطنية للصحافة أعلنت عن بدء عملية رقمنة الصحف الحكومية، وهي الخطوة التي يراها معارضون بداية لإغلاق بعض المؤسسات (الجزيرة)
الهيئة الوطنية للصحافة أعلنت عن بدء عملية رقمنة الصحف الحكومية، وهي الخطوة التي يراها معارضون بداية لإغلاق بعض المؤسسات (الجزيرة)

خالد المصري-القاهرة

فتح الحديث عن رقمنة الصحافة الحكومية في مصر لأول مرة الباب أمام التكهنات حول مستقبل المؤسسات الصحفية التي تنهكها الديون والأزمات خلال السنوات الأخيرة، وسط تراجع الدعم الحكومي لها، والتوجه نحو استثمار أصولها الثابتة من مقرات وغيرها.

وبلغت ديون المؤسسات الصحفية الحكومية نحو 19 مليار جنيه (الدولار نحو 16.5 جنيها)، وفقا لتقديرات رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر، وهي الهيئة المسؤولة عن الصحافة الحكومية.

وبحسب بيان للهيئة، فإنها تعكف على الانتهاء من اللمسات الأخيرة لمشروع تحويل المؤسسات الصحفية الحكومية إلى الصحافة الرقمية بمشاركة وزارة الاتصالات، في محاولة لحل أزمة الصحافة الورقية وزيادة معدلات التوزيع والإعلانات.

وأوضح البيان أن الإستراتيجية التي يجري الانتهاء منها، اتبعتها كبريات الصحف في العالم التي عانت من أزمات في التمويل والتوزيع.

وأكدت الهيئة أنها تستهدف من خلال مشروع الرقمنة مسايرة الثورة التكنولوجية، مشيرة إلى أنه من المنتظر الإعلان عن تفاصيل المشروع ومراحل تنفيذه في الأسابيع القليلة القادمة.


أكبر دمج
وبحسب رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر، فإن المؤسسات القومية سوف تشهد عملية دمج كبيرة في إصدارتها الورقية، التي تعاني من أزمات وديون طاحنة وخسائر سنوية تقدر بالمليارات.

وقال جبر في تصريحات صحفية إن عملية الدمج ستكون الأكبر في تاريخ الصحافة الورقية في مصر لأول مرة، كإحدى الأدوات لوقف نزيف الخسائر.

وأضاف "سيتم الاستثمار في الأصول المملوكة لتلك المؤسسات، بجانب سياسة الرقمنة الجديدة للصحافة القومية، وهو أمر لن يؤدي لتوقف الخسائر فقط، بل لزيادة أرباح تلك المؤسسات".

بسؤاله عن موقف الصحفيين العاملين بتلك المؤسسات، قال جبر "بالفعل ستكون هناك عمالة زائدة، والهيئة لم تصل إلى صيغة نهائية بشأنهم، العاملون لن يتم الاستغناء عن أي منهم خلال الفترة المقبلة، عملية الرقمنة من أجل تطوير الصحف والإصدارات الورقية وليس القضاء عليها، والبحث عن فرص بديلة للحفاظ عليها واستثمارها".

وتابع "المحررون والصحفيون في الصحف الورقية لن يتأثروا سلبا من نظام الرقمنة، المستقبل يكمن في نظام الرقمنة دون التخلي عن تطوير المحتوى المتميز للصحافة الورقية".

وتطرق جبر إلى عملية دمج الصحف الورقية، مؤكدا أنها ليست فزاعة لأن بعض المؤسسات تفتقد للموارد نهائيا، حتى إذا تم منحها مهلة لعشر سنوات فلن تعود إلى الحياة مرة أخرى، فمن أجل ذلك نعرض خطة الدمج دون إجبار، متمسكا ببقاء المؤسسات الصحفية دون إغلاق.

تصريحات جبر تتناقض مع نفيه قبل أيام وجود خطة لدمج الصحف الحكومية، حيث قال الأسبوع الماضي في تصريحات صحفية إن "كل ذلك شائعات لا نعلم مصدرها".

وأضاف أن "من أثاروا شائعة الدمج يستهدفون تحريض العاملين في المؤسسات التي تم ذكرها، ولن يتخذ قرار بجنح الليل ضد مصالح المؤسسات الصحفية والعاملين بها".


تصريحات متناقضة
وكشف مصدر داخل الهيئة الوطنية للصحافة أن الهيئة سوف تشرع قريبا في تنفيذ خطتها الجديدة من الدمج والتحول إلى البوابات الإلكترونية، وستبدأ خططتها بإحدى المؤسسات الحكومية، قبل تعميم التجربة بشكل كامل خلال العام المالي الجديد.

وأوضح في تصريحات خاصة للجزيرة نت أنه سيتم اختيار إحدى المؤسسات القومية التي تتعرض لخسائر فادحة ودمجها مع مؤسسة الأهرام أو أخبار اليوم، وسيكون هذا تطبيقا جزئيا قبل التطبيق الكامل للمشروع.

وأكد أن التحول الرقمي سوف يؤثر بالفعل على الصحفيين العاملين بتلك المؤسسات، حيث ستكون هناك عمالة زائدة عن احتياجات العمل، لافتا إلى أن الهيئة لم تصل إلى صيغة نهائية بشأنهم، وهل سيتم الاستغناء عنهم أو توظيفهم بآلية أو أخرى؟

وأشار المصدر الذي رفض نشر اسمه إلى أن عملية التحوّل جاءت بتعليمات سيادية، حيث يرغب صناع القرار في مصر في تأميم الإعلام والصحافة ولكن بطريقة عصرية، وأن يكون هناك صوت واحد فقط يصل للناس هو صوت الدولة.


نقابة الصحفيين تعترض
على الجانب الآخر، يرى رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين عمرو بدر أن مشروع رقمنة المؤسسات الصحفية الحكومية هو بداية لفكرة دمج المؤسسات الحكومية في شركة واحدة، وهو ما سيؤثر بالسلب على الزملاء.

وقال بدر في تصريحات خاصة للجزيرة نت إن هذا المشروع بمثابة تطبيق حرفي لقانون تنظيم الصحافة والإعلام، الذي يعطي الحق للهيئة في دمج وإلغاء إصدارات المؤسسات.

وشدد بدر على أن هذا المشروع هو بداية لانهيار الصحافة الحكومية، لافتا إلى ضرورة أن تكون النقابة طرفا أساسيا في أي عملية دمج تقوم بها الهيئة باعتبارها المسؤول الوحيد عن الصحفيين، لضمان عدم إلحاق أي ضرر بالزملاء وللدفاع عن حقهم.

وأكد بدر أن هذا المشروع سيؤثر بالسلب على العاملين والصحفيين، قائلا "نقابة الصحفيين سبق أن أبدت اعتراضها على القانون، وتقدمت بملاحظاتها حوله لمجلس النواب باعتبارها بداية لانهيار الصحافة الحكومية، خاصة وأنه سيتم إحالة عدد كبير من الزملاء والعاملين إلى المعاش".

بدوره رفض السكرتير العام لنقابة الصحفيين محمد شبانة التعليق على هذا الأمر قائلا للجزيرة نت إن النقابة يقتصر دورها على التعاون مع الهيئة في عملية التدريب للزملاء، ولكن الهيئة لم تخطر النقابة حتى الآن ولم يتم اتخاذ أي خطوات عملية بخصوص الأمر. 

يأتي هذا في سياق خطة الإصلاح الاقتصادي التي تقول الحكومة المصرية إنها الطريق الوحيد للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، وتضمن الخطة رفع يد الحكومة عن دعم السلع والخدمات الأساسية، وخفض عدد الموظفين بالجهاز الحكومي.

لكن المعارضة المصرية ترى أن الحكومة لم تراع الأبعاد الاجتماعية خلال تطبيق هذه الخطة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والفساد، وفي ظل ارتفاعات متتالية للأسعار.

المصدر : الجزيرة,الإعلام المصري