ثورة يناير أم السيسي.. مصر مهددة بالعطش فمن السبب؟

السيسي هو من وقع إعلان مبادئ سد النهضة بالاشتراك مع البشير وديسالين (الفرنسية)
السيسي هو من وقع إعلان مبادئ سد النهضة بالاشتراك مع البشير وديسالين (الفرنسية)

عبد الله حامد-القاهرة

ثورة يناير 2011 أم الرئيس عبد الفتاح السيسي، أيهما السبب الأكثر تأثيرا فيما تعانيه مصر حاليا من تهديد بضياع حقوقها في مياه نهر النيل بفعل السدود الإثيوبية؟

سؤال طرح نفسه عقب تصريحات السيسي في مؤتمر الشباب، حينما أعلن بوضوح أنه لولا ما جرى في عام 2011 (يقصد ثورة يناير)، ما أقدمت إثيوبيا على بناء سد النهضة.

وجاءت تصريحات  السيسي في سياق ترهيب المصريين من الإقدام على أي خطوات لمحاولة التغيير تشبه ما جرى في 2011، محذرا "الأخطر أنكم تكررونه مرة أخرى، وتقولون لي حل يا سيسي وهات لنا المياه، طيب أنتم من عملتم هذا (المأزق)".

لكن تصريحات السيسي اصطدمت بوقائع وشواهد من التاريخ القريب، تؤكد أنه يتحمل شخصيا الجانب الأكبر من تشجيع إثيوبيا على بناء السد.


السد والثورة
ترجع بداية التحضيرات الإثيوبية إلى بدايات القرن الحالي حينما كشفت عن خططها لإنشاء مشروعات على نهر النيل. 

وطلبت مصر من السودان أن يسمح لها بإنشاء قاعدة عسكرية بأراضيه، حال إصرار إثيوبيا على المضي قدما في خططها، بحسب وثائق مسربة نشرها موقع ويكيلكس عام 2010.

وبعد نشر الوثيقة بشهور، كانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت اعتزامها البدء بتنفيذه، بالرغم من جولات عديدة من المفاوضات.

وعقب ثورة يناير وتكليف مبارك للمجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد، آلت للمجلس المسؤولية عن هذا الملف الخطير لمدة عام ونصف العام، كان السيسي خلالها مديرا للمخابرات الحربية، والتقى عددا من رموز الثورة وأدى المجلس العسكري التحية لشهدائها، قبل الانقلاب عليها ووصفها بالمؤامرة. 

وعقب الثورة بشهرين شكل سياسيون ونشطاء من قوى الثورة وفدا أُطلق عليه الدبلوماسية الشعبية، سافر لإثيوبيا للقاء قياداتها وإقناعهم بوقف العمل بالسد.


إفشال مرسي
واستمرت المفاوضات بعهد الرئيس الراحل محمد مرسي، وعقد مرسي بقصر الرئاسة جلسة تشاورية مع سياسيين وخبراء فنيين وأمنيين، تم تسريب وقائعها على الهواء مباشرة، واتُّهمت أجهزة أمنية موالية للدولة العميقة بالتورط في التسريب لإحراج مرسي وإفشال مساعيه.

ونجحت الخارجية المصرية في 23 أبريل/نيسان 2014 (أي قبل تولي السيسي بنحو شهر تقريبا) في استصدار قرار أوروبي روسي صيني، بالاشتراك مع البنك الدولي، بوقف تمويل سد النهضة، ووقف القروض التي كانت ستحصل عليها إثيوبيا من كل من الصين وإيطاليا وغيرها، بهدف إقامة سدود على النيل.

إلا أن السيسي فاجأ المصريين والصينيين والروس والأوروبيين بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ في مارس/آذار 2015، ملغيا بذلك اتفاقية 1902 التي كانت تمنع كل دول حوض النيل من إقامة أي سدود على النيل إلا بموافقة مصر والسودان.

كانت إثيوبيا قبل هذا الاتفاق مغلولة اليدين في طلب التمويلات الدولية لبناء السد، وبعدها انطلقت لطلب تمويل دولي لبناء السد.

وصرح السيسي وقتها بأن لإثيوبيا الحق في عمل نهضة شاملة، وبأن إقامة سدود لإنتاج الكهرباء ضرورة لهذه النهضة.

ورغم الانتقادات الواسعة للاتفاق من قبل خبراء مصريين، هللت وسائل الإعلام والصحف الرسمية والقريبة من النظام للاتفاق، حاملة عناوين مبشرة منها أن "السيسي حلّها".


وهم الحل
وبددت الوقائع المتتالية وهم حل السيسي للأزمة الخطيرة، ورغم ذلك استمر في طمأنة المصريين، حيث  صرح خلال قمة ثلاثية مع رئيس وزراء إثيوبيا آنذاك هايلي ديسالين والرئيس السوداني السابق عمر البشير في أديس أبابا  يناير/كانون الثاني 2018، بأنه "لم تكن هناك أزمة بالأساس بين مصر والسودان وإثيوبيا فيما يتعلق بسد النهضة".

وظهر الزعماء الثلاثة متشابكي الأيدي دلالة على "التضامن وروح التعاون الإيجابي" بوصف وسائل إعلام رسمية مصرية.

الإثيوبي يُقسم
وبعد ستة أشهر على هذا الاجتماع الحميم، التقى السيسي رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في القاهرة، وجعله يردد وراءه قسما بالعربية أن بلاده لن تضر بحصة مصر من مياه النيل، ما أثار تعليقات ساخرة على منصات التواصل الاجتماعي، وأكد مراقبون أنه ليس هكذا تدار الملفات الخطيرة المتعلقة بالأمن القومي.

واستنتج مراقبون نذر الفشل من تصريحات للسيسي بدايات عام 2016 ـوكررها في 2018ـ بأنه يمكن تعويض العجز في مياه الشرب والري عبر معالجة مياه الصرف الصحي.

واعترفت الخارجية المصرية بالفشل قبل أيام حينما أبلغت وزراء الخارجية العرب، الثلاثاء الماضي، ولأول مرة، بمواجهتها صعوبات في مفاوضات السد، ومراوغات إثيوبية.


ترهيب المصريين
ويرى مراقبون أن اضطرار السيسي لإعلان الفشل في الملف وتبيان مدى خطورته، يستهدف ترهيب المصريين من تكرار الخروج على نظامه، كما فعلوا في 2011. 

ونشر موقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي قبل شهرين رفض حكومة نتنياهو طلب مصر بعدم نشر نظام الدفاع الجوي المتطور "سبايدر أم آر" لحماية سد النهضة الإثيوبي، مؤكدا أن إثيوبيا انتهت بالفعل من نصب النظام الإسرائيلى حول السد وقامت بتشغيله.

وبرأي مراقبين، شجعت تلك الخطوة إثيوبيا على رفض جميع المقترحات المصرية لملء السد على مدى فترات أطول، وأوقفت المفاوضات بعد أن حققت هدفها ببناء السد بالكامل، وحان وقت الملء.


مبارك والسد
يقول خبير السدود محمد حافظ إن نظام مبارك كان موافقا على كامل منظومة السدود الهيدورليكية التي تخطط إثيوبيا لبنائها قبل عام 2025.
 
ولفت حافظ في حديثه للجزيرة نت، إلى أن العديد من الوثائق بالبنك الدولي تؤكد تقدم وزير الري السابق محمود أبو زيد بطلب رسمي للبنك الدولي، لجمع تبرعات وقروض للدولة الإثيوبية لمساعدتها في بناء سد النهضة وسدود أخرى بالنيل الأزرق. 
 
وأشار إلى تشجيع حسني مبارك على بناء منظومة سدود هيدروليكية على مجري النيل الأزرق منذ عام 2008، واستغلت إثيوبيا هذه الموافقة لتوسيع أبعاد السد بحيث يتسع لـ 74 مليار متر مكعب وذلك قبل إسقاط حسني مبارك بعدة أشهر. 
 
وذكر حافظ أن اتفاقية مبادئ سد النهضة التي وقعها السيسي في 2015 لم تتضمن تحديد حصة مصر بأرقام محددة مثل 55.5 مليار متر مكعب، واكتفي بدلا من ذلك بجملة مطاطة للغاية، وهي عدم الإضرار الجسيم، فاتحا الباب لجميع التفسيرات الإثيوبية.
 
وتوقع حافظ تفاقم مخاطر السد الإثيوبي على الدولة المصرية بنقص المياه ببحيرة ناصر بما يعادل قرابة 34 مليار متر مكعب سنويا، ما يسبب بوار خمسة ملايين فدان من الأراضي الزراعية على الأقل، بما يترتب على ذلك من أثر اجتماعي واقتصادي مدمر على مصر.
المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة,الإعلام المصري