الأردن.. لماذا تفاقم غضب المعلمين؟

آلاف المعلمين طالبوا بالزيادة في رواتبهم (الأناضول)
آلاف المعلمين طالبوا بالزيادة في رواتبهم (الأناضول)

أيمن فضيلات-عمّان

بعد خدمة تجاوزت 26 عاما معلما في وزارة التربية والتعليم الأردنية، وعلى أبواب التقاعد، يتسلم المعلم محمود الدباس راتبا شهريا يبلغ 812 دينارا (1130 دولارا) صافيا في يده بعد الاقتطاعات.

يخرج من الغرف الصفية حاملا معه أربعة أمراض مزمنة، أصعبها "الديسك" الذي أصابه في رقبته وظهره، نتيجة الوقوف الطويل وفحص الأوراق والكتب. يقول للجزيرة نت "لست نادما على قضاء عمري في الغرف والساحات المدرسية، فهذا عمل الأنبياء".

ويضيف "المعلم مظلوم في وطني لأن راتبه قليل، شقيقي يعمل في إحدى المؤسسات الحكومة وخبرته عشر سنوات وحاصل بكالوريوس تجارة فقط، لكن راتبه يتجاوز 1400 دينار (2000 دولار)".

حالة المعلم الدباس تنسحب على معلمي وزارة التعليم؛ فالراتب الأساسي للمعلم المعين حديثا درجة سابعة يبلغ 150 دينارا (211 دولارا)، تضاف لها زيادة فنية وغلاء معيشة وعلاوة عائلية للمتزوج ليصل الراتب الإجمالي إلى 470 دينارا (660 دولارا).

بعدها يخضع الراتب لعدة اقتطاعات، منها الضمان الاجتماعي، وضمان التربية، والمالية، والتأمين الصحي؛ بواقع 16.5% ليحصل المعلم في النهاية على أجر مقداره 390 دينارا (550 دولارا).

مكافآت وحوافز
في المقابل، هناك حالة تفاوت في الأجور بين موظفي الحكومة في المؤسسات المختلفة، فبعض الوزارات والمؤسسات يصل راتب الموظف المعين حديثا فيها إلى ثمانمئة دينار (1110 دولارات)، نتيجة المكافآت والحوافز.

طالبات في صف دراسي في إحدى مدارس عمان (رويترز)

حالة التشوه في رواتب القطاع العام يرجع سببها "للتطبيق المشوه لنظام الخدمة المدنية، وهذا سبب رئيسي لأزمة المعلمين"، وفق أمين عام وزارة تطوير القطاع العام السابق عبد الله القضاة.

فتطبيق هيكلة الرواتب عام 2012 وشمول مؤسسات القطاع العام بنظام الخدمة المدنية عبر تسكينهم على الفئات والدرجات الوظيفية الواردة بالنظام، أدى إلى احتجاج موظفي وزارات ومؤسسات يحصلون على مكافآت عالية.

ويتابع القضاة للجزيرة نت أن الحكومة استجابت في حينها لبعض المؤسسات التي أضربت عن العمل لتحقيق مكاسب لموظفيها، إذ تم السماح بصرف مكافئات شهرية للموظف بما لا يتجاوز خمسمئة دينار شهريا (سبعمئة دولار).

في المقابل، تم حرمان موظفي وزارات من المكافآت بحجة ارتفاع أعداد الموظفين فيها، ومنهم موظفو التعليم، وبشكل خاص المعلمين.

انفجار اجتماعي
"إضراب المعلمين مؤشر خطير على حالة الضغط الاجتماعي"، كما يقول الخبير الاقتصادي أحمد عوض، وذلك نتيجة تدني رواتب المعلمين مقارنة مع نظرائهم في المؤسسات الرسمية الأخرى، وانخفاضها عن خط الفقر في الأردن.

ويضيف للجزيرة نت أنه عند المقارنة تجد معلما بالدرجة الثالثة قضى 15 عاما في وزارة التعليم وراتبه بعد الاقتطاعات لا يتجاوز خمسمئة دينار (سبعمئة دولار).

في المقابل، يصل موظف في الدرجة نفسها بوزارة أو مؤسسة أخرى إلى ألفي دينار (2800 دولار)، لافتا إلى أن أدنى الأجور يتقاضاها موظفو وزارات التعليم والصحة والبلديات.

من مظاهرة سابقة للمعلمين في العاصمة الأردنية (رويترز)

وخلص عوض إلى أن "الحكومة لن تستجيب لمطالب المعلمين"، مرجعا سبب ذلك إلى الإبقاء على باب المطالبات بالعلاوات أمام باقي موظفي القطاع العام مغلقا، واستجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي المطالب بتخفيض فاتورة أجور القطاع العام، عبر وقف العلاوات والبدلات وربطها بأداء الموظف.

زيارة صندوق النقد
إضراب المعلمين المستمر منذ أسبوعين تزامن مع زيارة دورية لوفد صندوق النقد الدولي، لمراجعة الإجراءات المتعلقة ببرنامج الإصلاح المالي والاقتصادي الجاري تنفيذه بالتعاون مع الصندوق، وفق مصدر مسؤول في وزارة المالية.

وتابع المصدر للجزيرة نت أن الوفد سيطلع على مدى تنفيذ الخطط المتفق عليها، والإيرادات المالية خلال الأشهر الثمانية الماضية، ومناقشة المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح المالي ضمن الاجتماعات السنوية للصندوق المتوقع عقدها في واشنطن الشهر المقبل.

تفاهمات جديدة
وتمهد زيارة وفد صندوق النقد "لتفاهمات جديدة للمرحلة المقبلة، بعد انتهاء برنامج التسهيل الائتماني الممتد خلال يونيو/حزيران الماضي"، حسب المحلل الاقتصادي سلامة الدرعاوي.

ويضيف للجزيرة نت أنه عقب انتهاء البرنامج فالحكومة أمام خيارين في استمرار تعاونها مع الصندوق: إما تمديد البرنامج الحالي، أو الاتفاق على برنامج جديد لتحفيز النمو الاقتصادي، واستعادة الروح الإنتاجية للقطاعات الاقتصادية المتنوعة، بعدما واجهت الصعوبات في السنوات الأخيرة.

ولجأت الحكومات الأردنية المتعاقب لصندوق النقد لمعالجة الأزمات المالية والاختلالات، وفق خبراء. وخلال ثلاثين عاما نُفذ برنامجان من الاستعداد الائتماني (1989-2004)، و(2012-2015)، إضافة إلى برنامج التسهيل الائتماني الممتد الحالي من (2016-2019)، والهادف إلى إعادة الاستقرار الكلي للاقتصاد الأردني، ومواجهة التحديات الهيكلية خاصة في أوضاع المالية العامة.

المصدر : الجزيرة