تونس.. قراءة متأنية في "تسونامي" الرئاسيات

قيس سعيد (يمين) ونبيل القروي (وكالات)
قيس سعيد (يمين) ونبيل القروي (وكالات)

محمد البقالي

لا يجب فصل الانتخابات التونسية عن التحولات التي تعرفها "سوق الانتخابات" في العالم برمته، حيث تتلقى الأحزاب التقليدية ضربات قوية وأحيانا قاصمة، بينما يحتل المشهد مرشحون جدد وأحيانا طارئون على الممارسة السياسية من بوابة المال أو التجارة أو النجومية الفنية وغيرها. 

وهذا يعني أن "بروفايل" المرشح المثالي بالنسبة للناخب قد تغير تماما، فالمرشح الحزبي الذي صنع داخل آلة حزبية الحامل لمقولات فكرية وإيديولوجية المبشر بالتغيير على قاعدة سياسية لا أفضلية له أمام مرشح صنع على عين الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بخطاب بسيط وسهل وأحيانا تسطيحي يخاطب الناس عن مشاكلهم اليومية دون استدعاء لمقولات فكرية أو إيديولوجية.

الأمر يشبه إلى حد كبير "الفاست فوود السياسي" أو الصناعة السريعة لنجوم السياسة. الأمر شبيه بنجوم فيسبوك وإنستغرام. لم يعد مهما أن تدبج مقالات عميقة أو كتبا رصينة، بضع "بوستات" وصور على وسائل التواصل، تلك هي البهارات والشروط اللازمة لصناعة النجم.

نحن أمام تراجع "الخطاب الإيديولوجي" الذي يحدث الناس عن المشاريع والأفكار لفائدة "الخطاب البراغماتي" الذي يحدث الناس عن مشاكلهم اليومية ويعدهم بحلها. حدث هذا في الحالة الأميركية والإيطالية والبرازيلية وحتى الفرنسية إلى حد ما. 

بالعودة الى المشهد التونسي، لنسجل أولا أن نسبة المشاركة المسجلة ضعيفة بالنسبة لانتخابات رئاسية برهانات كبيرة. أقل من نصف المسجلين توجهوا إلى صناديق الاقتراع.

سعيد حل الأول متقدما على القروي (رويترز)

والرسالة لا تحتاج إلى تأويل، فهناك حالة يأس وغضب شعبي من الممارسة السياسية برمتها خلال السنوات التي تلت الثورة، وقناعة تشكلت لدى طيف واسع من المواطنين بأن السياسة غير قادرة على تغيير أوضاعهم المعيشية المتعلقة أساسا بغلاء المعيشة وارتفاع البطالة وتعمق الفوارق.

أما الذين صوتوا فقد بعثوا رسالة قوية مفادها أن خطاب الأحزاب السياسية وممارستها لم تعد مغرية للناخب الذي بدأ في البحث عن بدائل خارج "السوق الاعتيادية" لاختيار الناخبين.

نحو ستة من العشرة الأوائل في الانتخابات جاؤوا من خارجا المسارات الحزبية، ليسوا وجوها سياسية معروفة، بعضهم لا حزب له، وبعضهم الآخر أسس حزبه خلال العامين الماضيين.

وهذا الأمر ينطبق على المترشحين للدور الثاني، الأستاذ الجامعي قيس سعيد ورجل الأعمال السجين بتهم الفساد وتبييض الأموال نبيل القروي.

قيس سعيد المرشح الأول على لائحة الفائزين هو أستاذ القانون الدستوري المحنك والمتحدث الجيد لا حزب له ولا تمويل ولا تجمعات ولا تبرعات ولا تظاهرات ولا مسيرات ولا خبراء تواصل.

هو يجسد فعلا مقولة "الانتخابات الرئاسية هي لقاء بين شخص وشعب". فقط خطاب مسترسل بلغة عربية فصيحة، يثير إعجاب البعض وتهكم آخرين، وحملة انتخابية باهتة لا تكاد تثير اهتماما تحرك فيها بسيارته الشخصية المتهالكة. وفق استطلاعات الرأي فإن كتلته الناخبة تركزت في الوسط الحضري وفي وسط الشباب المتعلم الجامعي.

كتلة ناخبة
أما المترشح الثاني فهو نبيل القروي الذي يقبع في السجن بتهمة الفساد وتبييض الأموال، وكتلته الناخبة تتركز في أوساط كبار السن والأقل تعلما وفي العالم القروي.

وهذا النتائج تبدو منسجمة مع إطلاق القروي حملة انتخابية سابقة لأوانها منذ ثلاث سنوات، حملة تستهدف المناطق النائية وتقوم على تقديم مساعدات اجتماعية عبارة عن مواد غذائية حتى اشتهر بلقب نبيل "مقرونة" لكثرة توزيعه لهذه المادة الحاضرة بقوة على مائدة التونسيين.

القروي يوصف بمرشح الفئات المحرومة (رويترز)

القروي بحث عن غطاء لعمله هذا من خلال برنامج تلفزيوني على قناته نسمة اسمه "خليل تونس" نسبة إلى ابنه المتوفى في حادث سير خليل القروي. وخلط في حملته التي امتدت ثلاث سنوات بين:

 - التوزيع المباشر للمال والمواد الغذائية في مناطق لا يصلها السياسيون عادة أي في القرى المنسية التي تعيش الفقر والحاجة.

- استعمال قوة الإعلام من خلال قناته الشهيرة "نسمة" حيث كانت "قوافل المساعدات" تتحرك مع قوافل الإعلاميين. والخطاب الذي تكرر حتى ترسخ لدى شريحة من التونسيين هي أن "القروي يحب الزواولة" أي الفقراء والمساكين بالتعبير التونس الدراج. وهو في كل ذلك استعمل لغة قريبة من الشعب عنوانها "أنا لا أهتم بالسياسة ولا بحساباتها أنا جئت لمساعدة الفقراء فقط".

- اختيار دقيق للشريحة المستهدفة وهي شريحة كبار السن والأميين والفقراء وسكان الأرياف، وأصوات هؤلاء مجتمعة قادرة على صنع الفرق، وقد فعلت.

ثم جاء اعتقاله ليمنحه شرعية "المظلومية" وسط أنصاره. لا أحد في تونس مقتنع بأن توقيت اعتقاله قبيل الانتخابات في وقت تمنحه استطلاعات الرأي الأفضلية كان بريئا.

أصابع الاتهام وجهت إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي نظر إليه على أنه استعمل القضاء للقضاء على خصم سياسي. وهو الذي دفع الثمن غاليا في هذه الانتخابات رغم استعماله لموقعه ومنصبه في حملته الانتخابية.

تصويت عقابي
في المقابل جاء التصويت عقابيا للطبقة السياسية التي هيمنت على المشهد منذ الثورة. والواضح أن الشعب التونسي وجه رسالة قاسية للأحزاب السياسية مفادها أنها لم تعد تقنع ولم تعد تدهش ولم تعد تستقطب. كل الأحزاب دون استثناء من الأطياف الأيديولوجية كلها سقطت في امتحان الثقة الشعبية. لا فرق في ذلك بين ليبرالي ويساري وإسلامي.

مواطنة تونسية بعيد الاقتراع قبل يومين (رويترز)

والواضح أن حركة النهضة تلقت الضربة الأقسى. صحيح أنها رشحت عبد الفتاح مورو "مضطرة" بسبب وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي وهو ما أربك حسابات كل الأطراف مع إعلان تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية.

كما أن ترشيح مورو جاء دون اجماع داخلي، وكثيرون داخل النهضة ربما لم يكونوا راغبين بفوزه لحسابات داخلية ويرون أن الوقت لم يحن ليصل "إسلامي" إلى منصب الرئيس، خاصة أن الحركة رشحت رئيسها راشد الغنوشي للانتخابات البرلمانية، مما يعني توجها للحصول على رئاسة البرلمان، لكن احتلاله المرتبة الثالثة خلف مرشحين لا رصيد لهما ولا تاريخ في السياسة يمثل ضربة موجعة للحركة.

والرسالة لم تأت فقط من الشعب التونسي، بل من داخل النهضة مع أنباء تتحدث أن جزءا مهما من الذين في العادة يصوتون لها، اختاروا التصويت لمرشحين آخرين يرونهم أكثر قدرة على تحقيق أهداف الثورة وأقل استعدادا للتحالف مع منظومة النظام السابق، مثل المنصف المرزوقي وسيف الدين مخلوف وربما قيس سعيد نفسه.

وهذا الأمر لا يعني النهضة فقط، بل يعني كل الأحزاب بطريقة أشد وأنكى، وهنا يمكن التذكير بأن أكثر من نصف الأحزاب التي شاركت في انتخابات 2011 اندثرت أو تكاد. وضمنها أحزاب من الحكومة والمعارضة ومن اليمين واليسار والوسط وغيرها.

وعلاوة على انخفاض منسوب الثقة بشكل حاد في الأحزاب السياسية بسبب سنوات تحولت فيها تونس إلى "قاعة انتظار كبرى" بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع لم تستفد من ثمار الثورة، يمكن تسجيل ما يمكن وصفها بالعملية "الانقسامية" الحادة التي شهدتها الانتخابات مما أفرز تشتتا أصوات الناخبين بين مرشحين ينتمون إلى مرجعيات متقاربة.

فمن جانب هناك المرزوقي ومحمد عبو ومخلوف وحتى عبد الفتاح مورو وهم محسوبون نظريا على صف الثورة، وهناك من جهة مرشحي "الدولة العميقة" ومن بينهم يوسف الشاهد وعبد الكريم الزبيدي وعبير موسي وغيرهم.

وماذا بعد؟
الواضح أن الاستقطاب سيشتد، فقيس سعيد سيتعرض لحملة شيطنة كبيرة من تجعل منه مرشح "الإسلاميين" الخفي، خاصة أن الرجل معروف بمواقفه المحافظة فيما يخص الإرث ومواقفه القوية تجاه العلاقات مع الغرب ومع فرنسا على وجه الخصوص.

الكتلة الناخبة لقيس سعيد تركزت في الفئات المتعلمة (الأوروبية)

وهو ما سيعيد النقاش الهوياتي التي كان قد تراجع خلال الحملة الانتخابية بسبب تعدد المرشحين وتشتت مشاربهم، بينما يتوقع أن يتحد خلفه الشق الذي يوصف بأنه قريب من الثورة. 

أما نبيل القروي فقاعدته الانتخابية ثابتة في أوساط كبار السن والفئات المعوزة وسيضاف إليها خصوم الإسلاميين الذي يرون في قيس سعيد امتدادا "خفيا" لحركة النهضة. على أن الحسم سيكون للمترددين والذين لم يدلوا بأصواتهم في الانتخابات.

وفي حال فاز نبيل القروي، ستجد تونس نفسها أمام رئيس مسجون بتهمة الفساد وتبييض الأموال. وهنا يطرح إشكال قانوني حول كيفية التعامل مع هذه القضية غير المسبوقة.

المصدر : الجزيرة