عسكرة البحر المتوسط.. عن أي شيء تبحث أساطيل الجيوش؟

البحر المتوسط اكتسب أهمية إستراتيجية كبيرة منذ فجر التاريخ مما جعل مؤرخين وعلماء الاجتماع يسمونه "مركز العالم" (الأناضول)
البحر المتوسط اكتسب أهمية إستراتيجية كبيرة منذ فجر التاريخ مما جعل مؤرخين وعلماء الاجتماع يسمونه "مركز العالم" (الأناضول)

عبدالله الرشيد

لم تبدأ قصتنا اليوم، فعلى مر التاريخ عرف البحر الأبيض المتوسط أحداثا كبيرة حددت مصير المنطقة، فالدولة التي تسيطر عليه تسيطر على أهم الممرات التجارية وعليها أن تحمي نفسها جيدا، وإذا خسرت نفوذها فيها فعليها أن تنتظر قدوم الأعداء إلى عقر دارها.

اكتسب البحر المتوسط أهمية إستراتيجية كبيرة منذ فجر التاريخ، وظلت مضايقه موضع صراع بين الدول والأمم الساعية للسيطرة على العالم، إذ كانت ممرات حيوية للجيوش وللهجرات عبر العالم، وهو ما يُفسر التنوع العرقي واللغوي والديني والثقافي والحضاري الهائل لحوض المتوسط، مما جعل مؤرخين وعلماء الاجتماع يسمونه "مركز العالم".

الدولة الفاطمية مثلا، أدركت جيدا أهمية المتوسط وسعت فترة تأسيسها للسيطرة عليه، في ظل سيادة في الشرق للعباسيين، وسيادة في الغرب والأندلس للأمويين، وسيادة للبيزنطيين على أوروبا، الأمر الذي دفعهم إلى بناء أسطول بحري مهول مكّنهم من بسط نفوذهم على الجزء الأكبر من هذا البحر.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فما سعت له الدولة الفاطمية منذ قرون وبنت لأجله آلة حرب بحرية، يعيد نفسه اليوم مرة أخرى، وإن تغيرت المسميات والدول إلا أن الجميع يتفق على أن البحر المتوسط ملعب إستراتيجي بالغ الأهمية وتتقاطع فيه مصالح الدول الكبرى، وتتموضع فيه أساطيلها البحرية.

ولأن معادلة القوة تتغير من زمن لآخر، أعددنا العدة لنبحر في هذا التقرير في مياه المتوسط، ونقف عند أبرز المحطات واللاعبين فيه، نبحث فيها عن إجابات حول أسباب سعي الدول الكبرى اليوم للسيطرة عليه؟ عن ماذا يبحثون؟ ولماذا كل هذه الأساطيل البحرية؟

المحطة الأولى: تركيا واليونان
خلاف قديم بين قبرص التركية واليونانية وصل ذروته بعد اكتشاف غاز المتوسط، حيث تعتبر قبرص التركية أن ثروات الجزيرة هي ملك لجميع أبنائها.

إلا أن قبرص اليونانية كان لها رأي آخر تماما وقامت بالانتهاء من ترسيم حدود منطقة اقتصادية خالصة لها، تمكنها من استغلال ثروة الغاز بشكل أحادي في عام 2010.

فقد رفضت تركيا الاعتراف بكل الاتفاقات التي قامت بها قبرص اليونانية مع مصر وإسرائيل ولبنان، خاصة أنها تعتبر المنطقة الاقتصادية الخالصة التي حددتها قبرص اليونانية متداخلة مع الجرف القاري التركي ومع المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها.

وبحسب تقرير لمركز الجزيرة للدراسات فإن الصوت المرتفع لقبرص اليونانية يستعين بأربعة معطيات: الدعم المضمون من قبل اليونان، وعضويته في الاتحاد الأوروبي، والاتفاقات الإقليمية مع إسرائيل ومصر ولبنان، وإعطاء رخص التنقيب لعدد كبير من الشركات التي تتبع في الغالب للقوى الكبرى (أميركا وروسيا وفرنسا وإيطاليا.. إلخ)، وذلك في محاولة لربط مصالح هذه الدول بمصالح جمهورية قبرص اليونانية، بحيث يشكِّل ذلك رادعا للجانب التركي.

بدورها، هددت تركيا بأن أي إجراء يتخذ بشكل أحادي ويتجاهل الحقوق التركية سيقابل برد مناسب يضمن حقوقها ومصالحها، وقامت بتحركات عملية بالفعل خلال فترات متعاقبة كان أبرزها إرسال سفن عسكرية لاعتراض عمل شركة "إيني" الإيطالية وإجبارها على التراجع.

وفضلا عن هذا، قامت بتعزيز وجودها بشكل مكثف وكبير في مياه المتوسط، وشراء سفينة إنزال حمولتها 27 ألف طن تستطيع حمل دبابات وطائرات مروحية وألف جندي، في خطوة لتطوير بحريتها والسيطرة على مناطق النزاع مع قبرص.

كما أعلنت أنقرة أخيرا تنفيذ أعمال تنقيب عن الغاز في مياه شرق المتوسط، مما أثار انتقادات شديدة من قبل اليونان والاتحاد الأوروبي ومصر.

المحطة الثانية: مصر
حذرت القاهرة من استمرار أنقرة بأعمال التنقيب في المتوسط، وهددت بأن الرد سيكون عسكريا، وطفا على السطح صراع تركي مصري على الغاز الموجود هناك، الأمر الذي حدا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان للجوء إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتأمين نشاط بلاده في المنطقة.

رغم الانتقادات الشديدة والتحذيرات التي وجهت له، فإن أردوغان أكد مرارا وتكرارا أن بلاده مستمرة في التنقيب عن الغاز، مشيرا إلى أن أعمال التنقيب تأتي في إطار الحفاظ على حقوق جمهورية قبرص التركية بصفتها دولة ضامنة من جهة، ومن جهة أخرى عدم اعتراف أنقرة باتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص واصفة إياها بأنها "لا تحمل أي صفة قانونية".

بالنسبة لمصر ونظام السيسي، غاز المتوسط لا يحمل قيمة اقتصادية للنظام المصري فحسب، بل يعتبر أداة من أدوات تثبيت نظام حكمه والحصول على شرعية إقليمية ودولية.

ويقول عضو الهيئة العليا لحزب الاستقلال المصري المعارض طالب ضياء الصاوي في هذا الصدد إن "اجتماع شرق المتوسط الذي استضافته القاهرة، يشير لشكل جديد من أشكال التطبيع بين نظام السيسي وإسرائيل، كما أنه كان سببا للتعاون الأمني والعسكري بين مصر وإسرائيل في سيناء لتأمين خط الغاز البحري عسقلان/ العريش الذي يعول عليه السيسي كثيرا في تثبيت أركان حكمه".

وكان من اللافت قيام مصر أخيرا بتطوير قواتها البحرية المصرية، وقيامها بصفقة لشراء أربع غواصات ألمانية عملاقة، لتضع جزءا منها في مياه المتوسط، وهي واحدة من أحدث وأقوى غواصات الديزل على مستوى العالم من إنتاج شركة "تيسين كروب" الألمانية.

فيما أعلنت أخيرا عن تنفيذ القوات البحرية المصرية والفرنسية تدريبا بحريا عابرا بنطاق الأسطول الشمالي في البحر المتوسط.

المحطة الثالثة: إسرائيل
كانت لحظة اكتشاف الغاز في البحر المتوسط لحظة مفصلية ونقطة تحول بالنسبة لإسرائيل، وأصبحت ترى العالم من منظور مختلف وتسعى لربط كامل الاحتياطيات وتصديرها. 

وكما هي الحال في تركيا وقبرص، كان لبنان وإسرائيل يعيشان حالة مشابهة في مياه المتوسط، فالبَلدان لم يقوما بترسيم حدودهما المائية، كما أن إسرائيل لم توقع على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعتبر أن هناك أجزاءً منه تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي رسَّمها لبنان.

لبنان يرفض هذه المزاعم تماما، كما أنه يرفض اتفاق الترسيم الذي تم بين قبرص وإسرائيل ويعتبره غير قانوني ولا يعول عليه، ولأن لحزب الله وجودا قويا في الجنوب اللبناني فيعتبر التهديد الأكبر الذي قد تواجهه إسرائيل هناك خاصة وأنه هدد بضرب منصات استخراج الغاز الإسرائيلية بشكل صريح.

ولذلك عملت الحكومة الإسرائيلية على تعزيز القدرات العسكرية لبحريتها، وتعاقدت لشراء ثلاث غواصات من الولايات المتحدة، كما تعمل على تطوير قدراتها الصاروخية البحرية، بالإضافة لاستيراد أربع سفن حربية، لضمان أقصى حماية ممكنة للطاقة في المتوسط.

المحطة الرابعة: روسيا.. أميركا.. الصين

روسيا تنبهت روسيا إلى أن الأوروبيين يسعون بكل ما أوتوا من قوة للخلاص من الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة الروسية، وباتت أنظارهم متوجهة إلى الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى، فقررت أن تستدرك الأمر فورا. 

فقد حازت روسيا على حقوق تنقيب النفط والغاز في البر والبحر السوريين، وعززت ذلك باستئجارها لقاعدة طرطوس البحرية لـ 49 عاما وكثفت من وجودها العسكري فيها، كما يوجد جزء من أسطولها البحري فيها.

بالإضافة إلى تقوية علاقاتها مع إسرائيل من خلال شركة "غاز بروم" التي لن تشارك في استثمار حقول الغاز الإسرائيلية وحسب، بل ستشارك أيضا في نقله بحسب صحيفة (Globs) الإسرائيلية.

ووفق محللين، فقد كان الهدف من حرص الروس على إطالة الصراع في سوريا تأخير وصول الإمدادات لأكبر مستورد للغاز في العالم (أوروبا)، الأمر الذي سيتطلب استمرارا لشلالات الدماء في سوريا، وإرغاما لها للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.  

أما أميركا -منذ عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما- فقد حطت أنظارها على موارد الغاز في المتوسط، وحرصت على تعزيز وجودها هناك، ونشرت شركات استكشاف وتنقيب أميركية على سواحله.

ترامب لم يختلف كثيرا عن أوباما، فقد تم رفع التعزيزات في عهده في الفترة الزمنية ذاتها التي عززت فيها روسيا وجودها العسكري في البحر المتوسط، فإذا كان أوباما قد أوعز للمدمرات الأميركية المنتشرة في شرق البحر الأبيض المتوسط بألّا تبرح مكانها، فإن ترامب قام بزيادة الأسطول الأميركي هناك.

وبرغم ما أثير حول علاقة ترامب بالروس، فإن الندية بين موسكو وواشنطن تصاعدت أخيرا ولم يتغير شيء على الأرض، وأرجعت مجلة "ذي أميركان إنترست" ذلك إلى "ضغوط" من القادة العسكريين الذين يرون تصاعدا للنشاط الروسي على المستويات العسكرية والدبلوماسية في المتوسط على حساب الهيمنة الأميركية.

والصين كذلك، إذ لم تعد البلدان المطلة على البحر المتوسط وشركاء أوروبا وأميركا وروسيا أصحاب المصلحة الوحيدين بالمتوسط، فبكين اليوم في مقدمة هذه القوى وتشارك في صناعة الطاقة وغيرها من قطاعات الاقتصاد.

وعندما نفذت الصين مناورات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط ​​إلى جانب روسيا للمرة الأولى، شعر المجتمع الدولي بالذهول بسبب الظهور المفاجئ للقوتين في الأراضي الأوروبية بين ليلة وضحاها.

ليس هذا فحسب، فقد أصبحت الصين المستثمر البارز في البنى التحتية للموانئ المطلة على البحر المتوسط، أبرزها في ميناء بيرايوس، أكبر ميناء في اليونان وواحد من أكبر الموانئ بالبحر المتوسط، وآخرها ميناء طرابلس بلبنان.

لا شك أن الوجود الصيني في المتوسط لا يزال حديثا مقارنة بالوجود الغربي، وبحسب الباحث علي باكير فإن حجم التوسع المالي والاقتصادي والتجاري الصيني، وحجم الأموال والتجارة المتدفقة يفترض أن الصين تحضر لوجودها العسكري وستعمل على تأمين الكم المتزايد من الاستثمارات والمصالح "عسكريا".

فيما أكدت وزارة الدفاع الصينية بناء أول قاعدة عسكرية صينية بالخارج في خليج عدن، وبالتالي الوصول الإستراتيجي إلى البحر الأبيض المتوسط ​​عبر قناة السويس في مصر، التي عززت معها العلاقات الاقتصادية والعسكرية.

لاعبون كبار، ومصالح لدول كبرى، ومحاولات حثيثة لتأكيد حضورهم في ساحات البحر المتوسط، وأساطيل بحرية تتدفق ومخاوف كبيرة من حروب قد تنشب، اختلفت الأهداف المعلنة إلا أن الغاز يبقى الحكاية التي لن تنتهي.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية