تونس.. هل تصمد وعود مرشحي الرئاسة أمام ضغط الواقع؟

ملصقات المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس (الجزيرة)
ملصقات المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

صعّد 26 مرشحا للانتخابات الرئاسية في تونس من حملاتهم الدعائية داخل المدن خلال اليوم الأخير من الحملة، مطلقين وعودا اقتصادية كبرى كالقضاء على البطالة والفقر وجلب الاستثمار وشطب الديون وتأميم الثروات، لكنّ خبراء اقتصاديين يؤكدون أن تلك الوعود "ليست واقعية".

وتنتهي اليوم الجمعة الحملة الانتخابية للدور الأول من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها بصفة مبكرة الأحد المقبل عقب وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي.

ودامت الحملة 11 يوما جاب خلالها المرشحون عديد المدن والمناطق المهمشة، واعدين الناخبين بتحسين الوضع.

ووعد مرشح حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي التونسيين في حملته بمدينة سليانة (شمال غرب) بإعادة الأموال المنهوبة من البنوك التونسية وتغيير منوال التنمية الاقتصادي للرفع من النمو وجلب الاستثمار للمناطق المهمشة وخلق فرص الشغل وتأميم الثروات.

وعود انتخابية
ولم يخلُ برنامج مرشح حركة "تونس إلى الأمام" عبيد البريكي من الوعود الاقتصادية المغرية على غرار النهوض بالمناطق المهمشة التي زاد وضعها تدهورا بعد الثورة، وفتح فرص العمل للعاطلين، وتقليص راتبه ورواتب أعضاء الحكومة.

وتعهد المترشح عن "تيار المحبة" محمد الهاشمي الحامدي خلال زيارته مدينة القصرين (وسط غرب) في إطار حملته الانتخابية بإلغاء ديون 180 ألف فلاح بالبلاد، وتشغيل 500 ألف شاب، وزيادة نسبة النمو، وخلق فضاء تجاري واقتصادي مشترك بين تونس والجزائر.

ورغم أنه نبه الناخبين إلى أن تنفيذ الوعود التنموية يدخل في صلاحيات رئيس الحكومة وليس صلاحيات الرئيس، قال مرشح حزب التيار الديمقراطي محمد عبو في حملته بمدينة قفصة (جنوب) إنه سيعمل على تحسين صورة تونس لجلب الاستثمار ودفع التنمية ومحاربة الفساد.

مرشح حركة مشروع تونس محسن مرزوق أكد أيضا لدى زيارته مدينة المهدية (وسط شرق) أنه سيعمل على خلق سوق أورومتوسطية لفتح آفاق التشغيل للعاطلين وجلب الاستثمار لإنعاش الاقتصاد التونسي، بالإضافة إلى ربط الموانئ التجارية التونسية بالموانئ الليبية.

وقد مثل الرفع من نسق النمو وتنويع مجالات الاستثمار وإخراج المناطق المهمشة من الفقر والحد من البطالة البالغة حاليا أكثر من 15% وتوسيع التغطية الاجتماعية وإيقاف أشكال التشغيل الهش، أبرز محاور الحملة الانتخابية لرئيس الحكومة ومرشح تحيا تونس يوسف الشاهد.

وتعهد المترشح عن "ائتلاف الكرامة" سيف الدين مخلوف خلال حملته بأحواز العاصمة بإزالة الأحياء الشعبية وتعويضها بأحياء فخمة وتحسين نمط حياة للتونسيين وتصفية تركة الاستعمار الفرنسي ومراجعة العقود والاتفاقيات الاقتصادية قصد منع نهب الثروات الطبيعية والطاقية.

وارتكز البرنامج الاقتصادي للمحامية عبير موسى مرشحة الحزب الدستوري الحر، وهو امتداد للحزب الحاكم السابق، على بعث مجلس أعلى للدبلوماسية الاقتصادية لجلب الاستثمارات الكبرى وتنمية الجهات الفقيرة والرفع من التصدير وإنتاج الفوسفاط في محافظة قفصة الجنوبية.

الواقع والخيال

معز الجودي: وعود المترشحين وهمية ولا علاقة لها بالواقع الاقتصادي (الجزيرة)

لكن الخبير الاقتصادي معز الجودي اعتبر هذه الوعود الانتخابية مجرد وعود وهمية لا علاقة لها بالواقع الاقتصادي المتدهور الذي تعيشه البلاد بسبب تراجع النمو إلى 1.2% في الصف الأول من العام الجاري مقابل 3.1% تعهدت الحكومة الحالية بتحقيقها هذا العام.

وأكد للجزيرة نت أن إطلاق تلك الوعود الاقتصادية يعتبر مغالطة كبرى نظرا لاستحالة تطبيقها في ظرف اقتصادي ومالي خانق تعيشه البلاد، بسبب ارتفاع عجز الموازنة وارتفاع العجز التجاري وتدهور قيمة الدينار وارتفاع نسبة الدين.

وأشار إلى أن التحسن الطفيف الذي عرفه الدينار هو مجرد تحس ظرفي نتيجة اللجوء المفرط إلى الاقتراض الخارجي والسماح للبنك المركزي بالتدخل في سوق الصرف لضخ العملة الصعبة والزيادة السابقة في سعر الفائدة التي قال إنها أضرت بالاستهلاك والاستثمار.

كما قال إن العديد من المرشحين لا يفقهون شيئا في تشخيص الوضع الاقتصادي ويبيعون الأوهام للناخبين بتغيير الأوضاع للأفضل، بينما تبقى جل المؤشرات في اللون الأحمر، مؤكدا أن الظرف الحالي يتطلب سياسة إنقاذ اقتصادي واتخاذ قرارات مؤلمة قبل التعافي.

وتساءل "كيف يعقل أن يعد المرشحون الناخبين بخلق استثمارات كبرى وتحقيق مشاريع تنموية خيالية وتشغيل الآلاف من المعطلين عن العمل، بينما تعاني البلاد من تدهور البنية التحتية والفساد والتصنيفات الدولية السلبية على غرار وضعها على قائمة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب؟".

تشخيص غير دقيق

عز الدين سعيدان: المرشحون يطلقون وعودا فضفاضة (الجزيرة)

من جانبه، علق الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان على الوعود التي أطلقها مرشحو الانتخابات الرئاسية بأنها لا ترتقى لمستوى برامج متناسقة تنطلق من تشخيص دقيق للوضع الاقتصادي والمالي لتقدم الحلول "وإنما عبارة عن وعود فضفاضة لاستمالة الناخبين بجهاتهم".

وأكد للجزيرة نت أنه لا يمكن الحديث عن تعافي الاقتصاد التونسي إلا بعد وقف النزيف الذي يعاني منه جراء ارتفاع نسبة التضخم (نحو 7%) وتراجع النمو (1.2 %) وارتفاع الدين العمومي (77%)، وخاصة ارتفاع الدين الخارجي الذي ارتفع منذ سنة 2016 بنسبة 70%.

وحذّر من إمكانية بلوغ تونس مرحلة طلب إعادة جدولة ديونها الخارجية إذا لم يتم وقف النزيف الاقتصادي واتخاذ "قرارات مؤلمة"، مشيرا إلى أن البلاد دخلت في دوامة مفرطة من الدين الخارجي الذي بلغت نسبته 100%.

كما ذكر أن هناك "شعبوية مفرطة" وعدم معرفة بحقيقة الأوضاع الاقتصادية لدى العديد من المرشحين الذين يسعون لإغراء الناخبين على حساب تحليل الواقع بشكل صحيح لاتخاذ الاقرارات المناسبة والشروع بالإصلاحات الكبرى المالية والجبائية والمؤسسات العمومية، حسب رأيه.

المصدر : الجزيرة