رئاسيات تونس.. فيسبوك من وسيلة دعاية إلى ساحة حرب

جانب من أعمال فريق الرصد التابع لهيئة الانتخابات (الجزيرة)
جانب من أعمال فريق الرصد التابع لهيئة الانتخابات (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

قبيل أيام من يوم الصمت الانتخابي، تصاعدت في تونس ما تسمى بحرب صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بين مرشحين "يحاولون" استقطاب صفحات مؤثرة وذات أعداد كبيرة من المتابعين بهدف التأثير والاستمالة وأيضا تشويه بعضهم بعضا.

وشابت الحملة الانتخابية، التي انطلقت في الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري وتنتهي يوم 13 من الشهر ذاته، عديد الخروقات والتجاوزات، بحسب الهيئة المستقلة للانتخابات التي عقدت أخيرا اجتماعات مع ممثلي إدارة فيسبوك لمراقبة صفحات المترشحين لضمان حملة نظيفة.

ويقول عضو الهيئة المستقلة للانتخابات عادل البرينصي للجزيرة نت إن الهيئة اجتمعت على الأقل مرتين بوفد من إدارة فيسبوك الذي اقترح غلق الصفحات المشبوهة القائمة على بث الإشاعات والأخبار الكاذبة، لكن لم يسفر الاجتماع عن نتائج ملموسة لغلق الصفحات التي بقيت نشطة.

حملات تشويه
وفي الواقع بدأت حرب الصفحات بين مترشحي الانتخابات الرئاسية الـ26 قبل بداية الحملة الانتخابية، حيث كثفت صفحات مؤثرة محسوبة على مترشحين أنفسهم من نشر مقاطع فيديو ومقالات وتسريبات صوتية وصور مفبركة ومواقف ساخرة لضرب خصومهم الآخرين باستمرار.

وتعرّض مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو لحملة تشويه بسبب فيديو قديم تم تداوله يظهر فيه مع الداعية المصري وجدي غنيم، كما عرضت صفحات أخرى صورا لجنرالات خليجيين مع المترشح عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الحالي، معتبرة أن لديه دورا مشبوها.

وتداولت صفحات أخرى تسجيلات صوتية مسربة لمرشح حزب قلب تونس ومالك تلفزيون "نسمة" الخاصة نبيل القروي -الموقوف حاليا بتهمة التهرب الضريبي- يسمع فيه صوته وهو يحرض لتشويه منظمة "أنا يقظ"، كما وصفت صفحات رئيس الحكومة يوسف الشاهد ومستشارين له بأنهم "مافيا".

وتاريخيا، برزت الصفحات التي تحمل أسماء مختلفة مع ظهور فيسبوك في تونس عام 2008، وقد نجح بعضها في استقطاب عدد كبير من مستخدمي الإنترنت مع اندلاع الثورة بمحافظة سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 حيث نقلت المواجهات الحية بعدسات الهواتف الذكية.

ولعبت تلك الصفحات، حسب مراقبين، دورا هاما في الإطاحة بالرئيس وقتها زين العابدين بن علي بفضل انتشار استخدام الهواتف الذكية، كما ساهمت في صناعة الرأي العام ونضجه طيلة سنوات الانتقال السياسي بعد الثورة، لكنها لم تنجو من الاتهامات بكونها ممولة لخدمة أجندات مشبوهة.

وفي السياق، يقول عضو هيئة الانتخابات عادل البرينصي إن هناك حربا معلنة بين بعض المرشحين قبل الحملة الانتخابية، وخلالها اعتمدت وسيلة صفحات فيسبوك للتأثير على إرادة الناخبين وتزييف وعيهم، لافتا إلى أن ذلك يدخل في باب التجاوزات لأنها تفسد مناخ الانتخابات جراء الثلب والتشويه والكراهية.

رقابة ضعيفة
وقبل انطلاق حملة الانتخابات، طلبت هيئة الانتخابات من جميع المرشحين ومديري حملاتهم مدّها بقائمة صفحات فيسبوك التي يملكونها وقائمة الصفحات التي يمولون حملاتهم من خلالها، وذلك من أجل مراقبة مضمونها ورصد أي تجاوزات محتملة ومراقبة مدى احترام المرشحين سقف تمويل حملاتهم.

لكن البرينصي كشف للجزيرة نت أن الهيئة لم تتلق إلى حد الآن من أي مرشح قائمة الصفحات الممولة من قبلهم، وهو ما يطرح استفهامات كبرى حول مصادر تمويل تلك الصفحات وترويجها بشكل مستمر على حسابات المستخدمين من قبل فيسبوك.

ويتبين من تصريح عضو هيئة الانتخابات أن الأخيرة لم تتمكن من مراقبة سقف الإنفاق على الحملات الانتخابية في الدور الأول على مستوى صفحات فيسبوك. علما أنه تم تحديد سقف الإنفاق على الحملة الانتخابية لكل مرشح في الدور الأول بقيمة 1.76 مليون دينار (350 ألف دولار).

وأكد البرينصي أن الهيئة كلفت شركة مختصة في عملية رصد تفاعلات مواقع التواصل لرصد التجاوزات المحتملة على الصفحات الرسمية للمرشحين، ومع ذلك يقول إن "مراقبة تلك الصفحات المشبوهة وغلقها أمر صعب جدا لأنها ستعيد الظهور كالفقاقيع حتى إذا قمت بحذفها".

كما أكد أن الهيئة خصصت 15 راصدا تابعا لها لتعقب مضامين الصحافة المكتوبة والإلكترونية لرصد جميع الانتهاكات التي تقوم بها وسائل الإعلام المكتوبة والرقمية.

ومع إقراره بتصاعد معركة كسر العظام خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية بين مرشحين، لم يذكر أسماءهم، من خلال استعمال صفحات التواصل للتشويه وبث الإشاعات ضد بعضهم بعضا، فإنه يعتبر أن "تلك التجاوزات على خطورتها تبقى محدودة التأثير على نتائج الانتخابات".

ضرب الخصوم
في المقابل، يقول أستاذ معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس والخبير في الإعلام الجديد الصادق الحمامي إن اعتماد بعض المرشحين في إستراتيجياتهم الاتصالية خلال الحملة على ضرب خصومهم وتشويههم وشيطنتهم من شأنه أن يزيف إرادة الناخبين ويؤثر على توجهاتهم خلال التصويت.

وتم تحديد عدد الناخبين في الانتخابات الرئاسية بأكثر من 7 ملايين ناخب تونسي، في حين كشفت بعض المواقع المختصة في قياس عدد مستخدمي الإنترنت وموقع فيسبوك عدد المستخدمين التونسيين خلال سنة 2019 بأكثر من 7 ملايين مستخدم من ضمن أكثر من 11 مليون تونسي.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى الحمامي أن هناك أساليب ماكرة تعتمدها صفحات التواصل لضرب بعض الخصوم على غرار تداول مقالات صحفية كتبت بأقلام مأجورة من أجل تشويه سمعة بعض المرشحين، مشيرا إلى أنه تم الاعتماد على هذا الأسلوب من بعض الصفحات لإضفاء مصداقية على ما يروجونه من شائعات.

وأكد أن هناك استخداما رهيبا لا مثيل له في التاريخ التونسي للدعاية السياسية عبر صفحات فيسبوك، متسائلا عن سبب عدم فرض عقوبات من قبل هيئة الانتخابات على بعض المرشحين الذين يستعملون الدعاية السياسية الممنوعة والذين تورطوا في حملات التشويه.

واختتم بالقول إنه "رغم أن الحملة الانتخابية أوشكت على الانتهاء لم نرَ أي موقف من هيئة الانتخابات رغم اجتماعها مع ممثلي إدارة فيسبوك"، مؤكدا أن حملة إنفاق بعض المرشحين خلال حملاتهم تجاوزت الحد المسموح به قانونا في ظل ارتفاع كلفة الإنفاق على حملاتهم على فيسبوك.

المصدر : الجزيرة