تونس.. الرئاسيات في ميزان الكادحين

الحلاق عز الدين (يمين) وسائق سيارة الأجرة عبد المجيد (الجزيرة)
الحلاق عز الدين (يمين) وسائق سيارة الأجرة عبد المجيد (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

في صباح غائم بدت حركة السير في أحد الشوارع المؤدية لمطار العاصمة تونس ضجرة جراء اكتظاظ السيارات وحافلات النقل الصفراء المهترئة. يهمّ عبد المجيد سائق سيارة أجرة قديمة بغلق النافذة منزعجا من صوت المنبهات، بينما يرفع عينيه لرؤية لافتات ضخمة على الطريق لمرشحين للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها الأحد المقبل، محركا رأسه بسخرية.

تتحرك السيارات ببطء شديد متلاصقة بينما ظل عبد المجيد منزعجا ماسكا مقوده في صمت وبصره شارد إلى الأمام. يفتح السائق زر الراديو تزامنا مع النشرات الساخنة للصباح، فتغزو سيارته أخبار مرشحي الانتخابات الرئاسية الذين يجوبون المناطق والأرياف ويقطعون الوديان، مطاردين الأصوات.

تهتز عجلات سيارة الأجرة الصفراء من حين لآخر بفعل الحفر المتناثرة على طول الطريق الطويلة، في وقت يشير فيه عبد المجيد بيده مستاء إلى إحدى سيارات النقل العمومي الصفراء الملطخة بالأوحال بينما تبدو مصابيحها الخلفية مهشمة. يقول "فوضى عارمة تحكم البلاد".

وعود كاذبة
تتلقف أذناه بعض الأخبار، ثم يهمّ بخفض الراديو للتعليق على أجواء حملات الانتخابات الرئاسية لـ26 متنافسا. يسأل باستنكار "هل تعرف المثل الذي يقول من كثرة كذبه حتى صار يصدق نفسه؟ وعودهم كلها كذب في كذب ومع ذلك يشعروننا بأنهم سيجلبون لنا الجنة إلى هذه البلاد المنكوبة".

لافتة دعائية للمرشح "المستقل" عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الحالي (الجزيرة)

ومنذ اندلاع الثورة نهاية 2010 تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسبب تراجع معدلات النمو من 5% إلى النصف خلال العام الماضي، في وقت تسبب فيه ارتفاع مطالب الزيادة في الأجور وتفاقم الإضرابات في تدهور عائدات الدولة، مما أجبرها على الدخول في دوامة لا تنتهي من الاستدانة (أكثر من 70%).

يواصل عداد سيارة الأجرة الدوران بسرعة بينما يُسارع السائق إلى سرد معاناته بسبب غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات واستمرار أزمة بطالة أبنائه، منتقدا وعود مرشحين للرئاسة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وجلب الاستثمار، في حين تقتصر صلاحيات الرئيس على السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي.

وشهدت تونس العام الماضي زيادات متتالية في المحروقات في حين تراجع الدينار إلى أدنى مستوياته، الأمر الذي فاقم أزمة ارتفاع الأسعار والتضخم الذي بلغ نحو 7% حاليا. وبينما سعت الحكومة للحد من اختلال التوازنات والتحكم في كتلة الأجور عبر تجميد الانتدابات، بقيت أزمة البطالة مستفحلة (أكثر من 15%).

لافتة دعائية لمرشح قلب تونس الموقوف بتهمة تهرب ضريبي نبيل القروي (الجزيرة)

فشل سياسي
وفي حي الخضراء بقلب العاصمة تونس أيضا، يفتح الحلاق الثمانيني عز الدين محله ويرتبه ويعلق منشفات الشعر بالخارج لتلامسها أشعة الشمس من وراء السحب.

يزاول الرجل مهنته منذ خمسين عاما، عايش خلالها تقلبات السياسة بالبلاد منذ حقبة الاستعمار الفرنسي مرورا بالاستقلال الوطني وفترتي حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وصولا إلى الثورة الشعبية عام 2011.

يدخل أحد الزبائن ذو شعر جاف متجعد فيجلسه على كرسي الحلاقة أمام مرآة عريضة زُيّن محيطها بأنواع من علب الشامبو ومرهم الوجه والشعر. يبدأ الحلاق بحلق شعر الزبون مستعرضا آراءه حول المناظرات التلفزيونية للمرشحين التي عرضت للمرة الأولى بالتاريخ التونسي على التلفزة الأولى العمومية.

رسم دعائي للمرشح يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي (الجزيرة)

بحركات مسترسلة ينهمك في عمله لكنه لا يتوقف عن الثرثرة، معربا عن استغرابه من تنظيم مناظرات تلفزيونية دون مواجهات مباشرة بين المرشحين ودون السماح لمرشحين آخرين بالحضور في الأستوديو، في إشارة إلى مالك تلفزيون نسمة ورجل الأعمال نبيل القروي الموقوف بتهمة تهرب ضريبي.

يستسلم الزبون لأوامر صاحب "الميدعة البيضاء" عند طلبه له بخفض رأسه في حين يستشهد هو بردود فعل زبائن يحتك ببعضهم من الإسلاميين والعلمانيين، لافتا إلى أن الموقف المشترك بينهم هو إجماعهم على تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وانعدام الثقة في الأحزاب السياسية التي تجاوزت 200 حزبا.

يعود عم عز الدين بذاكرته أحيانا للوراء مسترجعا الماضي مع بناء دولة الاستقلال منذ 1956 وبداية تحقيق النمو وتشييد المدارس والجامعات والمستشفيات وتوفير الأمن ولقمة العيش والاستقرار، معربا عن امتعاضه مما أسماه انحرافا في مسار الثورة التي "لم تحقق أهدافها بسبب انتهازية السياسيين وصراعهم على السلطة".

رغم مشاركته في التصويت بالانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية لا يعلم الحلاق هذه المرة لمن سيمنح صوته، لكنه يقول إنه سيشارك في الاستحقاق لمعاقبة منظومة الحكم والمرشحين الشعوبيين الذين يبيعون وعودا كاذبة بخلق فرص عمل وشطب ديون تونس وتأميم ثرواتها الطبيعية وغيرها من الوعود الانتخابية.

المصدر : الجزيرة