السودان في انتظار حصاد "شهر العسل"

عبد الله حمدوك: تحقيق السلام سيخلق مناخا جيدا (الأوروبية)
عبد الله حمدوك: تحقيق السلام سيخلق مناخا جيدا (الأوروبية)

مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

"نحن في شهر عسل مع العالم". بتلك الجملة لخص رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك حالة الانتعاش التي طغت على علاقات الخرطوم بالعواصم الغربية بعد قطيعة طويلة، وفور الإعلان عن تشكيل سلطة بأغلبية من المدنيين.

فالسودان -الذي دخل في عزلة لسنوات فاقت العشر- يشهد بعد تكوين حكومته الانتقالية الجديدة انفتاحا مع زعماء ودول العالم المتسابق لتقديم العون والسند لهذا البلد المنهار اقتصاديا.

وورثت الحكومة الانتقالية -التي أعقبت الإطاحة بالنظام السابق- تركة ثقيلة من التحديات والصعوبات الاقتصادية، التي كانت العامل الرئيسي في تفجر احتجاجات شعبية عارمة انتهت بعزل الجيش الرئيس السابق عمر البشير، انحيازا لمطلب شعبي قاد الثورة على مدى خمسة أشهر.

ويرى مراقبون أن الحصار العالمي الذي كان مفروضا على الخرطوم أدى -على المدى البعيد- إلى تفاقم أزمته الاقتصادية بعد حصر مساعدات الدول على النواحي الإنسانية والهبات وإعانة متأثري الحرب.

حكومة حمدوك حددت عشرة أولويات خلال مئتي يوم الأولى (الأناضول)

برامج مؤسسات
والآن يأمل رئيس الوزراء الجديد -القادم للمعالجة بوصفات وخطط اقتصادية وبرامج مفصلة من مؤسسات دولية- أن ينجح بمساندة العالم للعبور بالسودان إلى مرفأ آمن نسبيا، ويبدى ثقته في أن المناخ الجديد سيخلق "تعاطفا" عالميا مع السودان.

وقال حمدوك في مؤتمر صحفي إنهم "لو استطاعوا تحقيق السلام في الفترة من شهر إلى ستة أشهر، فهذا سيخلف مناخا جيدا، لأن الحرب تصرف من ما بين 70 و80% من ميزانيتنا، ويمكننا بعدها أن نصرف على التعليم والبنية الأساسية، ونعيد عجلة الإنتاج عبر اقتصاد قوي ومستدام".

غير أن إصرار الإدارة الأميركية على إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب يبقي عبئا إضافيا أمام أي انفتاح تنتظره الخرطوم، لذلك كان تركيز رئيس الوزراء الجديد خلال لقاءاته مع مسؤولين أوروبيين وسفراء على حثهم على العمل معه لإقناع واشنطن بإنهاء وضع السودان في لائحتها السوداء.

ومن هذا الباب يتوجه حمدوك أواخر هذا الشهر إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كأرفع مسؤول سوداني يصل هناك منذ عام 2010، حيث شارك حينها علي عثمان محمد طه النائب السابق للرئيس المعزول في هذه الاجتماعات دون أن يليه مسؤول بهذا المستوى، بعد أن بات رئيس الدولة مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية.

ومن المؤمل أن يعقد رئيس الوزراء لقاءات على هامش هذه الاجتماعات مع رؤساء الدول والحكومات المشاركين وكبار المسؤولين لاستقطاب الدعم الدولي الضروري لنجاح الفترة الانتقالية، وإنجاز التحول الديمقراطي، واستكمال معالجة قضايا السلام والنازحين واللاجئين في السودان، على أن يلقي خطاب السودان في 27 سبتمبر/أيلول الجاري.

رفع الحرج
ويرى الصحفي المهتم بالعلاقات الدولية واصل علي طه أن تعبير رئيس الوزراء ووصفه الحالة مع العالم "بشهر العسل" سليم تماما، خاصة أن هناك رغبة دولية في رعاية التغيير الذي حصل للسودان بعد عقد من وجود رئيس مطلوب ومنبوذ من المجتمع الدولي، وكانت عناوين الأخبار في الصحافة العالمية عن السودان سلبية، وتتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أو قمع الحريات، أو قهر المرأة.

ويشير طه في حديث مع الجزيرة نت إلى أن وجود السودان في منطقة مضطربة يمثل أهمية للمجتمع الدولي، وأن غياب البشير يرفع حرج التعامل مع نظام ديكتاتوري والانتقادات الحقوقية التي تصاحب ذلك.

ويتابع "ألمانيا أعلنت أنها ستمارس ضغوطا على واشنطن لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، وستتشاور مع البوندستاغ (البرلمان) لإعادة مساعدات التنمية".

ويتوقع واصل طه أن تحذو الدول الأوروبية حذو برلين، مع الأخذ في الاعتبار أن الإدارة الأميركية أعلنت في وقت سابق أنها طلبت من دول العالم، خاصة دول الخليج- مساعدة السودان في المجالات التي يمنع القانون الأميركي إدارة ترامب منها بسبب العقوبات.

ويردف "ستعتمد المساعدات بالدرجة الأولى على الخطط والسياسات الاقتصادية التي تبديها حكومة حمدوك، وعلى سلوك المكون العسكري في الحكم حيال الحكم المدني، وعدم وجود انتهاكات حقوق الإنسان والجدية في ملف السلام".

مواجهة الجنائية
لكن الناشط الحقوقي وعضو مركزية الحزب الشيوعي السوداني المحامي صالح محمود يؤكد للجزيرة نت أن حكومة حمدوك تواجه تعقيدات تجعل التفاؤل بالانفتاح على العالم رهينا بقدرتها على التعامل مع ملف العدالة، والموافقة على المطلب العالمي بتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية.

ويلفت إلى أن المجلس العسكري –المنحل- على لسان قادته كان تحدث عن أنهم لن يسلموا البشير إلى الجنائية، ما من شأنه أن يخلق مواجهة بين مجلس الوزراء ومجلس السيادة برئاسة عبد الفتاح البرهان، بينما كل العالم سيطالب الخرطوم بتسليمه لتحقيق العدالة.

وأوضح محمود أن حكومة حمدوك ليس بمقدورها كذلك اتخاذ قرار بشأن سحب القوات من اليمن، لأن القرار حصري بيد العسكريين.

وبقول إن انعتاق السودان من عزلته السابقة مربوط باستعداده للتعامل في ملفات كانت سبب حصار السودان، وعلى رأسها الإرهاب وإيواء المتطرفين من بلاد العالم.

ويردف "لا يمكن معرفة ذلك إلا بامتحان عملي وإعطاء البرهان بتحجيم أنشطة التنظيم الدولي، ثم احترام حقوق الإنسان، والموافقة على لجنة دولية للتحقيق في الانتهاكات التي صاحبت الثورة، ومن بينها فض اعتصام القيادة العامة".

ويرى محمود "أن العالم بأجمعه يقف مع الضحايا، بينما العسكريون في مجلس السيادة لا مصلحة لديهم في أن تكون هناك لجنة دولية للتحقيق، لأنهم جميعا عرضة للتحقيق؛ كونهم مسؤولين بحكم القانون عن حماية المعتصمين، وبالتالي عن فض الاعتصام". ويتابع "مهما تعلقنا بالتفاؤل فإن الوضع معقد".

صالح محمود: التفاؤل بالانفتاح على العالم رهين بقدرة تعامل الحكومة مع ملف الجنائية (الجزيرة نت)

إجماع داخلي
من جهته، يرى المسؤول في قسم العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعي إيهاب إدريس أن تأجير نظام البشير المعزول أراضي لنحو 99 عاما لمستثمرين سعوديين وإماراتيين أمر يمس السيادة الوطنية، ويمثل أحد تحديات حكومة رئيس الوزراء.

ويشدد للجزيرة نت على ترابط ملفات السياسة الداخلية والخارجية، مما كان يستدعي وجود توافق وإجماع وطني.

ويزيد "لضمان ذلك كنا نصر على أن يكون هناك التزام بكل المواثيق الموقعة مع المعارضة، وبينها قيام مؤتمر دستوري".

وينوه إلى أن رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب سيضمن تعامل السودان مع المؤسسات الدولية الاقتصادية في حال توفرت سياسة اقتصادية مجمع عليها داخليا "وهو أمر مفقود حاليا".

ويرى إدريس أن التحديات أمام حمدوك ووزيرة الخارجية غاية في التعقيد، وتحتاج منهما البحث عن إجماع وطني عبر حوار ومؤتمرات متخصصة.

ويتابع "لا يمكن الاعتماد على علاقات دولية لأي شخص في معالجة الوضع، دون أن يكون لديه برنامج وطني".

المصدر : الجزيرة