الحملات الانتخابية بتونس.. دعاية للمترشحين ومصدر رزق للعاطلين

أحد الشباب الناشطين في الحملات يتسلق حائطا لتعليق لافتة انتخابية (الجزيرة)
أحد الشباب الناشطين في الحملات يتسلق حائطا لتعليق لافتة انتخابية (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

في ركن بمقهى يتوسّط أحد شوارع العاصمة تونس، تعوّد الشاب سليم الاستراحة بعد رحلة صباحية مضنية في وسائل النقل العمومية، تحمله من تخوم المدينة حيث يقطن في أحد الأحياء الشعبية، ومنها لينطلق نحو نقطة تجمّع لتنشيط حملة انتخابية لمرشّح في رئاسيات تونس.

منذ انطلاق الحملات الانتخابية للرئاسة التي يتنافس فيها 26 مترشحا، شهدت الشوارع في مختلف المحافظات حركة استثنائية وشت بها الخيمات الدعائية التي انتصبت في كل مكان بألوانها المختلفة، وتعطل حركة المرور أحيانا جرّاء توزيع شبان وشابات مطويات وصورا لمرشحي الرئاسيات التي ستجرى الأحد المقبل.

يلقي سليم (23 عاما) نظرة أخيرة على محتويات حقيبة ظهر وضعها تحت الطاولة، فيها سترة وقبّعة وملصقات حائطية تحمل صورة مرشّح الرئاسة ورقمه، إنها زاده الوحيد في معركة يومية يخوضها منذ أسبوع تقريبا ضمن فريق الحملة التي ينتمي إليها.

مهام مضنية
تتوزع مهام سليم والشباب المرافق له أساسا على ثلاثة أمور: توزيع المطويات على المارة، وزيارة الأحياء والوصول إلى السكان في بيوتهم، وأخيرا إلصاق اللافتات في الأماكن والتجهيزات العمومية كمحطات الحافلات وأعمدة الإنارة، فكل ركن يمكن أن تصله أيديهم يتحوّل إلى وسيلة إشهار.

وضع ملصقات إعلانية لمرشح رئاسي على أحد الأعمدة (الجزيرة)

يقول في هذا الصدد إن الأدوار تتغير يوميا وفق جدول عمل ميداني مضبوط يحدده المسؤول المحلّي عن الحملة الذي بدوره يتلقّى التعليمات والتوصيات من الإدارة المركزية، ويمثل همزة وصل الميدان مع مديري الحملات في حال وجود إشكاليات مع الأجهزة الأمنية تخص شغل الطريق والخيام الدعائية.

يضيف أن الحملة تنضوي تحت شعار توفير حضور لافت ومحترم ومتواصل لحملة المرشّح على كامل الفترة الدعائية، لذلك فهم مطالبون بالانضباط في احتكاكهم بالمواطنين وبالرجوع إلى رئيس النقطة لرفع ملاحظاتهم والإجابة عن أسئلة البعض التي تدخل في صميم البرنامج الانتخابي للمرشح.

"مركاتو" الحملات
يتفرّغ سليم وأمثاله من الشباب للعمل ضمن الحملات الانتخابية، ويعتبرها نشاطا استثنائيا -نظرا للظرف السياسي للبلاد- مكّنه منه أحد معارفه المنتمين إلى أحد الأحزاب لثقته بأخلاقه وانضباطه. يوم عمله يمتد من الصباح ويتواصل أحيانا لساعات متأخّرة من الليل في حالات التنقّل إلى مدن ومحافظات أخرى.

يقول جازما إنه بحكم احتكاكه بالشبان الناشطين معه، متأكد من أن جزءا مهما منهم لا ينتمون فكريا إلى أي تيار سياسي، وكما هو الحال بالنسبة إليه فقد جاؤوا للبحث عن مصدر للرزق لا يتطلّب زادا معرفيا كبيرا، ما يهمّهم هو المبلغ الذي يناهز ثلاثين دينارا (نحو 10 دولارات) هي أجرة اليوم الذي سيتقاضونه في نهاية الحملة.

وبحسب عماد -وهو مدير حملة انتخابية- تبلغ تكلفة القميص والقبعة المطبوعة نحو ثلاثين دينارا (10 دولارات)، إضافة لمصاريف العمل الميداني من أكل ومشرب وتنقل.

تجاذب لأطراف الحديث مع المارة حول برنامج أحد المرشحين (الجزيرة)

يضيف ساخرا أنه يحسد صديقا له انتقل إلى حملة انتخابية أخرى توفّر امتيازات أكثر من ناحية بطاقات الأكل المجانية والنقل، إضافة إلى منحة يومية وعلاوات إضافية يحددها رئيس النقطة الذي يقيّم النشاط والحضور الميداني الفعّال، لكن للأسف حتى هذا النوع من الانتدابات يقع عن طريق وساطات ضيقة.

أجواء الميدان
تتمركز الخيمات الدعائية لمرشّحي الرئاسة في مداخل الأسواق والأحياء والمناطق ذات الحركة والكثافة السكانية المرتفعة، فهذا مقياس يدفع بالكثير من المشرفين عليها للتنافس في اختيار التموقع المناسب الذي يجعلهم في مرمى نظر وممر الناس مما يسهّل التواصل معهم.

"أحمد. س" مشرف على نقطة انتخابية لمرشّح مهم في الرئاسية، يقول للجزيرة نت إن العمل الميداني مكمّل للحضور الإعلامي، ويقع التنسيق مسبقا مع مديري الحملات حول تمركز الشباب الناشطين في الحملة انطلاقا من بعض التصريحات الإعلامية الموجهة لفئة ما، على غرار مداخل المناطق الصناعية حين يتعلق الأمر بتصريح موجّه للعمال.

توزيع مطويات تتضمن برنامجا انتخابيا لأحد المرشحين (الجزيرة)

ويضيف إنه غالبا ما تسود أجواء تنافسية حارة نظرا لفئة الشباب المنتمين للحملات الذين يعرفون بعضهم على أساس الانتماء لنفس المدينة وأحيانا نفس الحي حيث يقطنون، وفي حالات قليلة يقع التنسيق مع المشرفين على الحملات المنافسة لاحترام مسافة معينة اجتنابا للتشويش وإزعاج المواطنين.

لست الرئيس
اعتراض طريق مواطن ومدّه بمطوية أو معلّقة انتخابية ليس بالأمر اليسير كما يبدو. نقاشات وأسئلة تطرح على شباب الحملات، وفي أحيان كثيرة يكونون عرضة لانتقادات شديدة اللهجة ومحرجة أمام المارّة، لكنهم في أغلب الأحيان يملكون إجابة جاهزة دُرّبوا عليها مسبقا لعدم استفزاز الطرف الآخر.

يقول سليم إنه بحكم خبرته في العمل الميداني، يستطيع التفريق بين الأسئلة العفوية التي يطرحها بعض المواطنين عن جدوى الانتخاب والوعود التي يقدمّها المرشحون، والأسئلة والانتقادات المفتعلة التي تقوم بها أطراف مأجورة من بعض المنافسين بغية إحراجنا والتأثير على الناخبين.

يتذكر أنه في إحدى المناسبات طوّقته الأسئلة من طرف مجموعة يعتقد أنها افتعلت النقاش معه بغية الإساءة لصورة المرشّح الذي يعمل لفائدته، ووصل الأمر إلى حد وصمه بالداعم للإرهاب لقبوله العمل لفائدته. كانت لحظات من الضغط النفسي تخلّص منها بقوله "إذا شئتم لا تصوتوا له، أما أنا فلست الرئيس".

شباب تونسي حوّلته الحملات الانتخابية إلى لافتات إعلان بشرية تجوب الشوارع، تجاهلتها كل القوانين المنظّمة للحملات الانتخابية التي تنظر إليهم على أنهم وقود لمعركة الميدان لا أكثر، بحسب مراقبين.

المصدر : الجزيرة