الأغوار.. إسرائيل تسابق الزمن لاستكمال التهويد

عاطف دغلس-الأغوار الشمالية

في مساحة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات أو أقل بقليل، يتنقل ناجح كعابنة (أبو عودة) عقب كل هدم يتعرض له على أيدي جنود يباغتونه وهم مدججون بالسلاح والقرارات العسكرية المفاجئة والموسومة بختم قائد المنطقة، تطالبه بالرحيل من المكان وعدم العودة.

في الوقت الذي يُهجر فيه كعابنة من مسكنه وأرضه في الأغوار الشمالية الفلسطينية، تدعو سلطات الاحتلال عبر يافطات عامة المستوطنين للقدوم والعيش هناك، في خطوة تعكس أهداف الاحتلال لتهويد أراضي الفلسطينيين.

قبل أن يرفع رأسه عن وسادته بعد يوم شاق برعي ماشيته، كان الجنود قد أحاطوا ببيت المواطن البالغ (46 عاما) والذي يسكنه وعشرة من أفراد أسرته بينهم نجله المتزوج، أخرجوه وشرعوا بهدمه، دون إنذار سابق أو منحه وقتا كافيا لإخراج أثاثه البسيط.

وخلال الخمسين يوما الماضية، هدم الاحتلال منزل كعابنة مرتين، وأنذره بهدم ثالث في الأول من سبتمبر/أيلول القادم يُنفذه الرجل طوعا، وإن لم يفعل ذلك سيهدمه الجنود ويُغرمونه ماليا، ويقول "هدموا لي سابقا عامي 2015 و2018، لكن هذه المرة صادر الاحتلال المعدات والتي يصل ثمنها لنحو 2500 دولار".

 عمليات هدم سابقة بمنطقة الجفتلك بالأغوار الفلسطينية لعائلة المواطن ناجح كعابنة (الجزيرة)

ويتحدث كعابنة عن مصادرة المساكن والمعدات حيث يسلبه وغيره الاحتلال مقومات الحياة في الأغوار، ويستفرد بهم لتهجيرهم "جماعيا" في النهاية.

تهجير تدريجي
بعد زمن من الحديث تحت سقف بيت من الصفيح قادنا كعابنة لمكان الهدم حيث تتناثر قطع الحديد المحطمة على الأرض، يقف على أطلال المكان ويقول "ولدت هنا، وأعيش وعائلتي منذ أكثر من نصف قرن، والمستوطنون طارئون وعدوانهم يتصاعد".

وإمعانا في التهويد للأرض والترحيل، نشر الاحتلال "رعاة المستوطنين" برؤوس الجبال وقرب مساكن البدو الفلسطينيين ليضيقوا عليهم أماكن رعيهم وزراعتهم.

 شاحنة لجش الاحتلال تصادر حفارا لآبار المياه بعد منعه من الحفر بئر بمنطقة الأغوار الشمالية (الجزيرة)

وخطوة المستوطنين هذه ليست للمقارعة فحسب بل لمصادرة الأرض، ففي ليلة واحد قبل أيام حرثوا 1500 دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) ليلا، وسطوا عليها صباحا.

وفوق الأرض يُسيطر الاحتلال على المياه بشكل كامل ويبتاعها للمواطنين بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة، وتقدر حصة المستوطن من المياه أضعاف الفلسطيني (420 لترا للمستوطن مقابل 24 للفلسطيني يوميا) كما أغلق الجنود نحو ثلاثين نبعا للمياه يستخدمها المواطنون لريهم ومواشيهم.

المواطن والأحفاد فوق بقايا منزلهم (الجزيرة)

ويملك كعابنة خزان مياه يشرب منه ويسقي أغنامه التي تناقصت أعدادها بفعل إجراءات الاحتلال من نحو ستمئة رأس إلى ثلاثمئة فقط، لتوها كانت الأغنام العائدة من مرعاها الصحراوي تتراكض تباعا نحو حوض مياه يتدلى منه أنبوب بلاستيكي يفتحه الرجل بحذر ويغلقه كذلك محاولا سقي كل أغنامه.

إضافة لذلك يستخدم الاحتلال التدريبات العسكرية وسيلة لترويع المواطنين سواء بما يتركه من مخلفات أو توتيره للأحداث خلال التدريب بطرد السكان من منازلهم لأيام وساعات، كما حدث مع كعابنة خلال شهر رمضان حيث كان يخليهم لثلاثة أيام كل أسبوع لنحو عشرين ساعة.

وتشير معطيات مركز بتسيلم الحقوقي الإسرائيلي -نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)- إلى أن سلطات الاحتلال هدمت 698 وحدة سكنيّة على الأقلّ بالأغوار بين عامي 2006 و2017 يسكنها قرابة ثلاثة آلاف نسمة، وهدمت منذ 2012 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2017 ما لا يقل عن 806 مبانٍ زراعيّة.

كعابنة الابن يجهل مستقبله كشاب بفعل الانتهاكات لكنه لن يرحل (الجزيرة)

كل ذلك يُشعر يوسف كعابنة (19 عاما) بالقلق حيال مستقبله كشاب في مقتبل العمر على أرضه ومواشيه مقارنة بما ينعم به أبناء المستوطنين، ورغم ذلك يرفض التزحزح عن المكان.

رصد يومي
كل هذا القمع الإسرائيلي يرصده عارف دراغمة الناشط الحقوقي في الدفاع عن الأغوار، وقد ضاعف في الآونة الأخيرة حجم تحذيراته عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بنشر معاناة المواطنين يوميا.

ويقضي عارف جُل وقته واصلا نهاره بليله لرصد انتهاكات الاحتلال، ويقول إنه بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أكثر من عام أن مستوطنات الأغوار هي "السياج الآمن" لدولة الاحتلال وعنف المستوطنين وعربدتهم يتضاعف ويتخذ أشكالا عدة.

وآخر تلك الانتهاكات استيلاء 15 مستوطنا على 55 ألف دونم عبارة عن أراض مفتوحة ورعي للفلسطينيين لإقامة ثلاث بؤر استيطانية، وحتى الحدود الشرقية مع الأردن، والمقدرة بأكثر من 150 ألف دونم لم يتبق منها للفلسطينيين سوى أقل من 3%.

عمليات هدم سابقة بمنطقة الجفتلك بالاغوار الفلسطينية (الجزيرة)

وأمام غطرسة الجنود، يقف دراغمة بكل قوته متسلحا بكاميرته ليوثق اعتداءاتهم، ويقول إنها تعدت الهدم وحظر الرعي والتدريب العسكري لمصادرة معدات السكان كالجرارات الزراعية وخزانات المياه وحتى مساكنهم من خيام الخيش والصفيح، وتصبح مواشيهم من الأغنام والأبقار في إعداد المصادرة إذا وجدت بمناطق يحظرها الاحتلال عليهم.

سياسة التحالف
ويشكل الجنود "تحالفات" مع المستوطنين لحمايتهم، فيُغلقون أراضي بحجج مختلفة ثم يقدمونها للمستوطنين، وفي الآونة الأخيرة نشر الاحتلال يافطات تدعو المستوطنين للعيش بالأغوار باعتبارها "دولتهم" وسط توفير كل خدمات البنى التحتية لا سيما الطرق والمياه.

كعابنة وابن عمه يحاولان جمع بقايا مسكنهما (الجزيرة)

وازداد عدد المستوطنات بالأغوار الشمالية إلى 11 إضافة لثلاث بؤر استيطانية جديدة، بخلاف الكرفانات المتنقلة على رؤوس الجبال، ويقيم جنود الاحتلال ثمانية معسكرات ويشقون عشرات الطرق والخنادق بغرض التدريبات العسكرية، ويضيف دراغمة "سياسة الهدم للفلسطيني يقابلها سياسة الاستيطان".

وعبر توثيقه اليومي للاعتداءات وتحذيراته المتتالية، يبعث الناشط الحقوقي برسائل مقتضبة للجهات الفلسطينية المسؤولة بمواقعها المختلفة لإنقاذ ما تبقى من الأغوار التي تشكل "الكرامة الفلسطينية" ويقول إن المشاريع المقدمة "طارئة ومستنزفة" ولا تحقق المطلوب من دعم المواطنين أمام التغول الاستيطاني.

المصدر : الجزيرة