حجاج اليمن إلى البيت الحرام.. لم يعد إليه سبيل

أتى من اليمن وقد بدا عليه الإنهاك (الجزيرة)
أتى من اليمن وقد بدا عليه الإنهاك (الجزيرة)
الجزيرة نت-خاص
تمر الأعوام على اليمنية الخمسينية فاطمة عبيد وهي تمني نفسها بزيارة بيت الله الحرام، فالحج بات شبه مستحيل لها ولمواطنيها في ظل القيود التي فرضتها الحرب المستمرة منذ عام 2015، وإغلاق التحالف السعودي الإماراتي للمطارات والمنافذ البرية.
ورغم التفاؤل بانفراج الأوضاع فإنها تزداد تعقيدا، ومعها تعسرت فرصة فاطمة في اللحاق بقافلة الحجاج في طريقها إلى البقاع المقدسة، فالأموال التي ادخرتها منذ زمن طويل لم تكن كافية لحجز مقعدين لها وابنها.
تقول للجزيرة نت إنها سعت هذا العام لجمع مبلغ الحج رغم الكلفة الكبيرة، وكانت هذه المرة أقرب من أي وقت لتحقيق أمنيتها المنتظرة، إلا أن نقص المال والقيود المفروضة على الحجاج حالت دون ذلك.
كلفة كبيرة
وتبلغ كلفة الحج لليمنيين قرابة ثمانية آلاف ريال سعودي (2200 دولار) للحاج الواحد، دون المبالغ التي تُدفع مقابل خدمات أخرى، وهو مبلغ كبير مقارنة بالخدمة "الرديئة" المقدمة لهم أثناء إقامتهم وتنقلاتهم بين المشاعر المقدسة.
حاجة يمنية قرب مزدلفة خلال حج العام الماضي 1439 هـ (رويترز)
وفرضت وزارة الحج السعودية على وكالات تفويض الحجاج استقطاع مبلغ يُقدر بنحو ثلاثة آلاف دولار على كل حاج لتضمن عودته إلى اليمن بعد انتهاء تأدية الفريضة المقدسة في مكة المكرمة.
وشكّل هذا المبلغ عقبة كبيرة لآلاف اليمنيين، وبات الحج ممنوحا للأثرياء فقط، أما فاطمة والآلاف ممن يعيشون مثلها في البلد الذي تمزقه الحرب فلم يعد هناك سبيل لهم إلى الحج.
كما تسبب انهيار العملة المحلية (الريال اليمني) أمام النقد الأجنبي واحدا من أسباب فقدان الأمل لحج اليمنيين. ووفق فاطمة، فإن المبالغ التي ادخرتها كانت تقل قيمتها مع مرور السنوات، إذ وصلت قيمة الريال السعودي 150 ريالا يمنيا.
ويوضح ماهر صالح، وهو ابنها الذي كان مقررا أن ينضم لها برحلة الحج، إن تكلفة الحج كانت سبعمئة ألف ريال يمني، واليوم هذا المبلغ لم يعد كافيا بل يحتاج إلى مبلغ مماثل حتى يوازي مبلغ 2200 دولار بسبب انهيار العملة.
تفويج الحجاج في عشرة أيام عبر المنفذ الوحيد الذي يربط اليمن بالسعودية (الجزيرة)
تقاطعه الأم وكأنها لا تأبه بالتفاصيل التي اعترضت طريق أمنيتها الأخيرة، وتقول "أريد أن أرحل من الدنيا وقد حققت رغبتي بالحج إلى بيت الله، كل عام أشاهد الحجاج من التلفزيون، وكل مرة أقول ليتني معكم".
معابر مغلقة
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الأوقاف بالحكومة اليمنية الانتهاء من عمليات تفويج الحجاج البالغ عددهم قرابة 25 ألفا عبر منفذ الوديعة، الشريان البري الوحيد العامل بين البلدين منذ 2015.
وأشارت إلى أن عملية التفويج تمت خلال عشرة أيام ودون أي اختلال أو إرباك يُذكر.
لكن حجاجا قالوا إن رحلة الحج استمرت لأكثر من أربعة أيام، وإنهم بقوا لأيام في منفذ الوديعة تحت قيظ شمس الصيف حتى يتم السماح لهم بالدخول إلى الأراضي السعودية، نتيجة الازدحام في المعبر.
ووفق أحد الحجاج فضّل عدم ذكر هويته، فإن المسؤولين في الجانب السعودي يتعمدون إهانة الحجاج اليمنيين، إذ إن معاملات العبور تمر وفق مزاجية وبطء شديدين، دون اكتراث للآلاف من المسافرين المفترشين للصحراء.
وأضاف للجزيرة نت "لا يمكننا أن نتحدث أو نعترض، نحن عديمو الحيلة تحت رحمتهم، ولأننا دون دولة تهتم بنا وتحفظ كرامتنا، يعمدون في كل الأماكن من انتقاص اليمنيين ويعتقدون أننا نريد أن نبقى في السعودية، رغم أن معظم الحجيج من كبار السن".
يقطع اليمنيون قرابة 1500 كيلومتر برا للوصول إلى مكة (الجزيرة)
وموسم الحج المنصرم، احتجزت السلطات السعودية الصحفي اليمني صلاح الدين الأسدي بطلب من وزارة الأوقاف اليمنية، بعد نشره قضايا فساد ورسوم غير قانونية تم أخذها من الحجاج اليمنيين.
سفر متعب 
ويطالب الحجاج اليمنيون تفويجهم عبر المطار كون العشرات منهم كبار سن ولا يتحملون السفر الطويل حتى الوصول إلى مكة، لأن وزارة الحج تنقلهم برا على متن 550 حافلة.
ويقول أبو أحمد، وهو الذين جرى تفويجهم من العاصمة صنعاء، إن مشقة الحج باتت كبيرة، إذ إنه يتوجب عليهم السفر عبر الجبال والصحاري والمرور بالعشرات من النقاط المسلحة التي ينصبها مسلحو جماعة الحوثيين والقوات الحكومية على خطوط التماس.
ويضيف "لماذا يمنعوننا من السفر عبر الجو وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي، واختصار السفر الذي يزيد على 1500 كيلومتر، فالطائرة في النهاية ستصل مكة وهناك يحق لهم تفتيشها إذا كانوا يخشون من تهريب أسلحة أو ما إلى ذلك".
وأشار إلى أن زوجته لم تتمكن من السفر معه لأداء فريضة الحج كونها لم تحصل على الجواز، في ظل وقف السلطات اليمنية والسعودية التعامل بالجوازات الصادرة من مناطق سيطرة الحوثيين.
كل عام يكابد اليمنيون في الطريق إلى الحج وهذه الأيام لم تكن مختلفة (الجزيرة)
وكانت مصلحة الهجرة والجوازات أعلنت انعدام دفاتر الجوازات طيلة الستة الأشهر الماضية، قبل أن تعلن توفيرها الشهر الماضي.
تهم متبادلة
وفي كل موسم حج، تتبادل الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي التهم حول التسبب في معاناة الحجاج ومنع الآلاف منهم لأداء الفريضة المقدسة.
وتتهم الحكومة على لسان وزير حقوق الإنسان محمد عسكر -في تصريحات سابقة- الحوثيين بحرمان الحجاج من السفر إلى مكة، وقال إن مسلحي الجماعة يحظرون سفر أي مواطن يحمل جواز سفر صادراً من الحكومة.
والأحد الماضي، قال زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي إن النظام السعودي يستغل فريضة الحج استغلالا سياسيا ويضع قيودا كبيرة على اليمنيين وغيرهم، معتبرا أن عليه مراجعة حساباته في إدارة الحج.
وأضاف الحوثي خلال كلمة متلفزة "كلما أدخل النظام السعودي المشاعر المقدسة في مواقفه وحساباته أثبت أنه ليس جديرا بإدارتها".
المصدر : الجزيرة