36 قرية سوّاها القصف بالأرض.. هكذا وجدها أهلها العائدون لشمال سوريا

القصف الروسي والسوري سوّى قرى كثيرة بالأرض في شمال سوريا رغم قرار الهدنة (الجزيرة)
القصف الروسي والسوري سوّى قرى كثيرة بالأرض في شمال سوريا رغم قرار الهدنة (الجزيرة)

عدنان الحسين-ريف إدلب

ما إن سمع بقرار الهدنة الذي أعلن عنه في محادثات أستانا 13 الأخيرة، حتى جمع مصطفى الأحمد حاجيات عائلته واصطحب أمه وأباه وأخوته الصغار واتجه إلى قريته الواقعة في ريف إدلب الجنوبي.

لكن فرحته بالعودة إلى منزله لم تدم سوى ساعات، فالطائرات الحربية الروسية والتابعة لقوات النظام السوري -والتي يفترض ألا تحلق وفق الهدنة المعلنة- قصفت قريته ومحيطها مخلفة دمارا كبيرا.

عاد مصطفى أدراجه إلى ريف إدلب الغربي باتجاه المنزل الذي كان قد استأجره، ليُفاجأ بأن عائلة أخرى هاربة من القصف وجحيم الحرب استأجرته، فاتجه إلى أحد أقاربه وسكن عنده ريثما يجد مكانا يؤويه وعائلته.

عائلة محمد الحسن هي الأخرى من قرية "معرة حرمة"، غرها وقف إطلاق النار المعلن فعادت وبدأت رفع أنقاض منزلها واستخراج بعض أدواته التي نجت من القصف الذي استهدف القرية قبل أيام، لكن صوت الطائرات المروحية والحربية المفاجئ زاد من صدمتهم بخسارة المنزل، ليتركوا ما جاؤوا إليه ويفروا هاربين إلى خيمة تؤويهم على الحدود السورية التركية التي يرون فيها الملاذ الوحيد الآمن.

القصف الروسي والسوري يستهدف تهجير أهالي ريف إدلب من قراهم (الجزيرة)

قريتا الشيخ مصطفى ومعرة حرمة اثنتان من أصل 36 قرية تم تدميرها بشكل شبه كامل في ريفي إدلب وحماة، وأجبر سكانها على النزوح شمالا خلال الحملة العسكرية الأخيرة للقوات الروسية وطائراتها وقوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وتعرضت هذه القرى لتدمير كامل بفعل قصف جوي ممنهج، كما أجبر سكان 56 قرية أخرى على النزوح من قراهم بسبب الحملة العسكرية، وفق بيان أصدره فريق "منسقو استجابة سوريا".

يقول محمد جلال مدير فريق منسقي الاستجابة للجزيرة إن القصف الروسي والنظام استهدف بشكل مباشر المراكز والمؤسسات الحيوية والعامة وعلى رأسها المؤسسات الطبية، إذ بلغ عدد الضحايا المدنيين 1181 قتيلا وأكثر من ثلاثة آلاف إصابة، بينما بلغ عدد المراكز الصحية والمستشفيات التي تعرضت للتدمير 96، تلتها المدارس بواقع 64 مدرسة، فضلا عن أسواق شعبية ودور عبادة بلغت بالمجمل 288 منشأة، مقدرا حجم الخسائر بأكثر من 1.5 مليار دولار.

ويوضح حلاج أن أكثر من 700 ألف مدني فروا من قرى ريف إدلب الجنوبي والغربي وريف حماة الشمالي خلال الحملة الأخيرة، وتمركزوا في أماكن متفرقة أبرزها بلدة الدانا ومخيمات عشوائية على الحدود السورية التركية، وقسم منهم اتجهوا لمناطق سيطرة الجيش الوطني والمعروفة بغصن الزيتون ودرع الفرات.

بعض من خدعتهم الهدنة المعلنة لم يجدوا مكانا يسكنوه في قراهم المدمرة (الجزيرة)

وبشأن الوضع الإنساني للنازحين الجدد، يؤكد حلاج أن كارثة إنسانية مقبلة في حال لم يتدخل المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية لوضع حد للحملة العسكرية المستمرة على الشمال السوري، إذ إن الاستجابة لحاجات النازحين ما زالت في الحد الأدنى، حيث لا يتلقى النازحون الجدد أي مساعدات إنسانية. ولفت إلى أن انهيارا كبيرا وكاملا للخدمات في الشمال بات قريبا جدا، وأن موجات نزوح ضخمة ستكون نتيجة حتمية لاستمرار الحملة العسكرية، فضلا عن محاولة اللجوء إلى تركيا.

يوثق محمد العلي -وهو ناشط سوري من إدلب- الأحداث في ريف إدلب، إذ يعمل متطوعا في فريق منسقي الاستجابة والشبكة السورية لحقوق الإنسان بشكل يومي، كما أنه فر نازحا من قريته عابدين بريف إدلب الجنوبي الشرقي إلى مدينة سلقين، وعاد لمنزله خلال سريان الهدنة ليجده مدمرا بشكل شبه كامل بعد أن تعرض لقصف مدفعي وجوي.

يقول العلي في حديثه للجزيرة نت إن هذه الحملة هي الأكبر والأوسع والأكثر تدميرا للشمال السوري منذ سنوات، حيث تم قصف كل شيء بصواريخ وقنابل بعضها محرم دوليا، مما أوقع أعدادا كبيرة من الضحايا، "ما نخشاه حقيقة هو كارثة بكل المقاييس مع صعوبة تحمل المؤسسات والمنشآت الخدمية المتبقية لأعباء مساعدة النازحين والمتضررين".

دمار شامل خلفه القصف الجوي على مناطق ريفي إدلب وحماة (الجزيرة)

ويضيف "بكل تأكيد عندما تجبَر على ترك منزلك وتهجَّر منه قسرا وتعود لرؤيته مدمرا، ومن ثم تجبر على تركه مرة أخرى، في دائرة مفرغة من الدمار تدور فيها، فمن المؤكد أنك ستفقد رغبتك في الحياة".

وأصدر فريق منسقي الاستجابة اليوم الثلاثاء بيانا حمّل النظام السوري وروسيا المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، وطالب بالتحقيق في الخروق الأخيرة لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب، كما حمّل الفريق مسؤولية نقض اتفاق وقف إطلاق النار للطرف الروسي بشكل كامل.

وكان وزير الخارجية التركي حذر أمس الاثنين من كارثة إنسانية في محافظة إدلب السورية نتيجة استمرار العمليات العسكرية واستمرار نزوح الآلاف.

المصدر : الجزيرة