السودان.. هل يشكل منتقدو الوثيقة الدستورية معارضة قوية للحكومة القادمة؟

يبدو مشهد معارضي الوثيقة الدستورية وقدرتهم على إفشال الحكومة القادمة غير واضح (رويترز)
يبدو مشهد معارضي الوثيقة الدستورية وقدرتهم على إفشال الحكومة القادمة غير واضح (رويترز)
الجزيرة نت-الخرطوم
يعترف منتقدو الوثيقة الدستورية التي توافقت عليها قوى التغيير مع المجلس العسكري لحكم الفترة الانتقالية في السودان؛ بأنها تضمنت أغلب ما نادت به قوى الثورة، بيد أن تحديات تطبيقها تعد قنابل موقوتة في مسار العلاقة المتوترة بين العسكر والمدنيين، نظراً لأن الطرفين اتفقا على ترحيل بعض نقاط الخلاف للمستقبل.

وتعتبر الجبهة الثورية -بفصائلها التي تحمل السلاح- والحزب الشيوعي السوداني أبرز رافضي الاتفاق داخل قوى إعلان الحرية والتغيير، وهذا الموقف يتقاطع مع معارضة حزب المؤتمر الوطني للوثيقة، حيث يتهم الحزب –الحاكم سابقاً- كلاً من الجيش وقوى التغيير باقتسام السلطة، وإقصاء الآخرين ممن يحسبون على النظام السابق.

وانطلاقاً من أن الثورة جردت حزب المؤتمر الوطني وحلفاءه من السلطة، فمن المتوقع أن يتخذ هؤلاء موقف المعارضة، لولا أن الحزب الشيوعي -حسب رأي بعض المراقبين- استبق الجميع وحجز مقاعد المعارضة، في حين احتفظ بوجوده داخل قوى التغيير من خلال ممثليه في تجمع المهنيين السودانيين.

ولكن تلك الخطوة التكتيكية لا تؤهل الحزب الشيوعي ومنتقدي الوثيقة لتشكيل معارضة ذات أثر واضح؛ "لأن وجودهم في الشارع ليس بالقوة التي يتحدثون بها"، حسب الأستاذ الجامعي مهدي إسماعيل، الذي يصف منتقدي الوثيقة بأن "صوتهم عالٍ فقط، ولا يحظون بدعم إقليمي أو دولي".

بالتالي يتوقع إسماعيل "اختناق الجبهة الثورية في حال استمرارها في معارضة الوثيقة، نظراً لأنها ستفقد التمويل الذي كانت تحظى به من الخارج".

أما الحزب الشيوعي "فسوف يخفف تشدده في نقد الوثيقة خوفاً من العزلة"، حيث إن الحزب الشيوعي والجبهة الثورية "لا يستطيعان تحريك الشارع لوزنهم الخفيف في ميدان الجماهير"، على حد قوله.

وحول موقف حركة عبد الواحد نور -المعروف بمواقفه المتشددة- فمن المتوقع "الوصول معه إلى تفاهمات من خلال حكم ذاتي"، بالتالي فهو لا يشكل معارضة سياسية مؤثرة على مركز السلطة في الخرطوم.
هل تكتمل فرحة السودانيين بتشكيل حكومة مستقرة؟ (رويترز)
قوى معطلة
ويتفق الخبير القانوني بالأمم المتحدة الشيخ حسن فضل الله مع إسماعيل في تقديره الموقف، بقوله إن "حزب المؤتمر الوطني ما زال يمارس نشاطه بكامل عدته وعتاده، وهو قادر على عرقلة تنفيذ الوثيقة الدستورية".

ويضيف أن "منتسبي النظام القديم يستطيعون وضع العراقيل أمام حكومة الثورة، وليس تمثيل دور المعارضة المسؤولة التي يمكن أن يضطلع بها الحزب الشيوعي باعتباره جزءا لا يتجزأ من قوى الحرية والتغيير".

ولكن حكومة الثورة ستجابه امتحاناً عسيراً في ميدان العلاقات الخارجية، إذ إنها "ربما تفقد دعم قوى إقليمية كالسعودية والإمارات إذا حاولت الاقتراب من ملف القوات السودانية في اليمن".

وفي السياق ذاته، يقول الصحفي عبد الباسط إدريس إن الحكومة المرتقبة ستواجه مشاكل داخلية وخارجية متشابكة؛ فالوثيقة "لم تشمل القوى الدارفورية الموقعة على اتفاقية الدوحة، وهي قطاع لا يستهان به". وبما أن أغلب تلك القوى من حملة السلاح، فقد تضطر تلك القوى لمعارضة الحكم الجديد، إن لم تستجب قوى التغيير لشروط انضمامها لقوى التغيير".

وتأمل قوى التغيير ضم معارضي الاتفاق للوثيقة بعد تمكنها من السلطة، كما يقول نجم الدين دريسة نائب الأمين العام لحزب الأمة الفدرالي، الذي يضيف أن تلك القوى "ربما تقلل المخاطر التي يمكن أن تسببها قوى الثورة المضادة باللجوء لخيار تطبيق العدالة الانتقالية كسبيل لمحاسبة منتسبي النظام السابق، ولأجل استعادة الأموال المنهوبة من خزينة الدولة".

ويقول محمد أحمد سلامة (وهو أحد القيادات الطلابية المنتمية لحزب الأمة) إن التحدي الأكبر أمام قوى التغيير هو أن تتمكن من إقناع الجيش بدوره في حماية البلاد والدستور. ويرى أن الحزب الشيوعي يمكن أن يمثل معارضة معتدلة لحكومة الثورة.
أين الجيش؟
ويعد الجيش أكبر مهدد للنظام الجديد، "إذا لم يلتزم المجلس العسكري بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشأن هيكلة قوات الجيش والأمن وحل المليشيات، ودمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة"، على حد قول الناشط عبد الفتاح عرمان.

وتتمثل أكبر قنبلة موقوتة في طريق الشراكة بين المجلس العسكري وقوى التغيير في نتائج التحقيق حول مجزرة فض اعتصام القيادة العامة؛ وعنها يقول الإعلامي محمد حريكة إن المعارضة خلال الفترة الانتقالية "ستكون هجيناً من داخل قوى الثورة نفسها، وذلك ببروز كتل سياسية وأحزاب من داخل قوى التغيير لتمثيل المرأة والشباب، وفي هذه الحالة ستكون المعارضة ذات ثقل حقيقي في الشارع".

ويقلل الناشط بقوى الحرية والتغيير منصور أحمد عثمان من قدرة رافضي الوثيقة على تحريك الجماهير، واصفاً خطابهم الإعلامي بأنه "خطاب عاطفي"، لكونهم لا يتمتعون بقاعدة شعبية عريضة،" وحيث إن الشارع لن يتحرك إلا بإشارة من قوى الحرية والتغيير مجتمعة".

ويتوقف نجاح حكومة الثورة من وجهة نظر عثمان "على اقتناع طرفي الاتفاق بالعمل المشترك، وألا تلجأ النقابات لتعكير صفو الفترة الانتقالية بالإضرابات". ويشير بذلك إلى أن هذا السلوك كان أحد مظاهر فشل التجربة الديمقراطية بعد انتفاضة 1985.

الحاجات المعيشية
ويقلل البرفيسور أحمد مصطفى الحسين من تأثير معارضي الاتفاق بقوله إن "اعتقاد الحزب الشيوعي بالقدرة على إزاحة العسكريين من المشهد عن طريق العصيان المدني والإضراب السياسي غير واقعي، لأن العصيان المدني لن يصمد طويلا ما دامت للناس أسر يعولونها".

ويضيف الحسين "ما لا تستطيع الحكومة المدنية إنجازه ستلعب عليه الثورة المضادة لإثارة حنق الشعب". وتعد الأزمة المعيشية هي أصعب المحكات التي يمكن أن تحيق بحكومة الثورة، وفي هذا الصدد يتوقع المحلل السياسي علاء الدين بشير أن تبرز خلال المحك العملي "هوة مفاهيمية شاسعة" بين العسكريين وقوى التغيير.

ويقول بشير إن "إلزام المؤسسة العسكرية والأمنية بالخضوع للقواعد الدستورية والقانونية يعد علامة النصر لنجاح الثورة".

ويمضي بالقول "إذا لم تتمكن حكومة الثورة من تحسين الوضع المعيشي خلال العام الأول، سيفتر حماس المواطنين وسيخرجون مرة أخرى للشوارع، ويشكلون بذلك المعارضة التي تهدد النظام بشكل مباشر".
المصدر : الجزيرة