هل تستمر الحالة الساداتية؟ سيناريوهات الأزمة المصرية بعد صرخة السجون

السيسي أكد سابقا أن المصالحة بيد المصريين قبل أن يعلن نهاية العام الماضي أنه لا مصالحة (رويترز)
السيسي أكد سابقا أن المصالحة بيد المصريين قبل أن يعلن نهاية العام الماضي أنه لا مصالحة (رويترز)

محمود إبراهيم-القاهرة

أثارت مطالب معتقلين بمصر بالتسوية السياسية للخروج من السجون، جدلا واسعا حول مستقبل وسيناريوهات الوضع المتأزم في البلاد منذ الانقلاب العسكري على الرئيس الراحل محمد مرسي صيف 2013.

وخلال السنوات الست الماضية، تراوحت الأطروحات بين المصالحة والمواجهة من جانب قوى المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين صاحبة النصيب الأكبر من المعتقلين.

كما خرجت عن مقربين من النظام ومستقلين دعوات لإحداث انفراجة سياسية، لكن جلها اصطدم بموقف قائد الانقلاب الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي المتشدد تجاه المصالحة الذي عادة ما يربط طرفها الآخر بالإرهاب.

وإزاء ذلك تبدد الاعتقاد بقرب انفراجة سياسية في مصر، رغم تمكن السيسي من الحكم بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، وما تلاها من وفاة مرسي وما تبعها من انتفاء لمطالب الشرعية، وشمول معتقلين من الجماعة ضمن قوائم العفو الرئاسي الأخيرة.

ووفق خبراء ومصادر تحدثت إليهم الجزيرة نت، يبدو أن السيناريو الأقرب للأزمة المصرية بقاء الوضع على ما هو عليه، استنادا إلى فرض النظام سيطرته في مقابل هشاشة المعارضة وما تعانيه جماعة الإخوان من أزمات وانقسامات.

لكن في المقابل قد تبدو تحركات المعارضة في الخارج نحو تشكيل تحالفات ثورية نقطة ضوء في نهاية النفق المظلم بالنسبة لها، مع تأكيد الإخوان الالتزام بالمسار الثوري السلمي.


صرخة معتقل
قبل أيام تسربت لوسائل الإعلام رسالة من داخل السجون موجهة إلى قيادات الإخوان، تكشف عن معاناة يعيشها المعتقلون السياسيون في مصر.

طالبت الرسالة قادة الجماعة داخل السجون وخارجها بأن يتحركوا بكل السبل الممكنة لحل أزمتهم مع النظام في مصر، وألا يترددوا في أخذ خطوة للوراء تحفظ لهم ما تبقى من بقايا الجماعة، وتحفظ عليهم القليل مما تبقى من شبابهم، بحسب نص الرسالة.

ورغم كونها ليست الأولى من نوعها، فإن تلك الرسالة فرضت نفسها بقوة في الفضاء الإعلامي للنظام والمعارضة، لكنها لم تلق ردود فعل سياسية سوى من المعارضة، حيث علق عليها قادة جماعة الإخوان بوصفها رسالة أمنية، فيما طالب آخرون بالتفاعل معها إيجابيا.

الحالة الساداتية
يبدو موقف الإخوان المسلمين من الأزمة الراهنة، مشابها إلى حد كبير لما يعرف بالحالة الساداتية التي سبقت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حيث لم تكن هناك بوادر حرب أو عملية سلام آنذاك بين مصر وإسرائيل، وهو ما عرف إعلاميا بحالة "اللا سلم واللا حرب".

ما يعزز هذا السيناريو -وفق مراقبين- حديث قيادات الجماعة عن التزامها بالمسار الثوري السلمي في صورة تصريحات متكررة بين وقت وآخر، دون أن تطرح خطوات فاعلة لإنجاح ذلك المسار.

كما أن محسوبين على الجماعة خرجوا العام الماضي وصرحوا بأن هناك نية لـ "العودة للوراء من أجل مصالحة تسمح بإطلاق سراح جميع المعتقلين".

وقبل أيام كشف طلعت فهمي -المتحدث باسم الإخوان في حديث لقناة الجزيرة مباشر- أن "الجماعة حاولت التواصل مع النظام لكنه أغلق الأبواب".

حديث فهمي آنذاك جاء للتعليق على الرسالة المنسوبة لعدد من معتقلي الإخوان بالسجون.

وقتها شدد المتحدث الإعلامي على الالتزام بالمسار الثوري، وعدم التخلي عن ثورة يناير أو حقوق الشهداء أو المعتقلين، دون طرح رؤية الجماعة في ذلك.



الاصطفاف والتغيير
السياسي المصري البارز أيمن نور، يرى أن الوضع المتأزم في مصر لن يطول، وأن بقاء الوضع على ما هو عليه والاستسلام أمر غير صحيح، مشيرا إلى جهود تبذل بشكل تراكمي ستؤدي في النهاية إلى "التغيير المنشود الذي سيأتي قريبا جدا أو على المدى المتوسط"، بحسب وصفه.

نور تطرق في حديثه للجزيرة نت إلى مبادرة الاصطفاف الثوري التي أعلن عنها قبل أشهر، لافتا إلى أن التغيير سيكون من خلال تحالف واسع لضحايا النظام ممن عانوا سياسيا واقتصاديا وحقوقيا وإنسانيا.

وعن رسالة المعتقلين الأخيرة، قال نور "نحن أمام نظام لا يعرف معنى كلمة الحل ولا يسعى لأي حل، سواء كان بالآليات الديمقراطية من خلال انتخابات أو استفتاءات حرة، أو حل من خلال الحوار السياسي".

وأضاف أن بلاده "تشهد حالة من الاستبداد الخام (أنظمة استرئاس دون انتخابات أو استفتاءات) لنظام لا يريد أن يقدم أي خطوات نحو مصالحة مجتمعية أو تخفيف حدة الاستقطاب، حيث يؤمن بأن استمراره قائم على استمرار التصادم واستمرار سفك الدماء".

المصالحة المشروطة
ومستبعدا سيناريوهات التسوية أو تصدع النظام في الوقت الراهن، يقول مصطفى زهران الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إن المشهد السياسي "لا يشهد أزمة بل إن الأزمة الحقيقية في جماعة الإخوان المسلمين".

وفي حديث للجزيرة نت أوضح زهران أن "الإخوان ممزقة ومنقسمة على ذاتها، والنظام المصري يستمد قوته من ذلك".

وأشار إلى أن الجماعة بانقسامها هي من تعطي فرصة للنظام دون وجود تسوية "إن كانت السلطة بالأساس ترى في هذا الأمر حلا ناجزا"، وفق قوله.

وعن الرسالة الأخيرة المنسوبة لمعتقلين بالإخوان، اعتبر زهران أن "من يوجد من شباب الإخوان بالسجون هم ضحايا سجالات الجماعة والسلطة القائمة".

وربط بين وجود كيان ثابت وقائم للإخوان وفرصة المصالحة والتفاوض والتسوية السياسية مع النظام مستقبلا.


لا مصالحة
النائب محمد أبو حامد -عضو مجلس النواب المصري- اعتبر فكرة المصالحة بين النظام والإخوان "مجرد استهلاك إعلامي لا أكثر".

أبو حامد قال في حديث للجزيرة نت إن مصر "لا تشهد أزمة سياسية، بل هناك إطار سياسي ودستوري تم تشكيله، وبالتالي من يدعون إلى مصالحة أو تصدير لحالة عدم استقرار أو أزمات سياسية أمرهم في خيالهم".

وشدد على أن "مصر لديها حاليا مؤسسات منتخبة ووضع سياسي مستقر على المستويين المحلي والإقليمي".

كلام أبو حامد يتسق مع ذكره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن جماعة الإخوان المسلمين لن يكون لها دور في المشهد المصري خلال فترة وجوده في السلطة، وذلك خلال حواره مع جريدة الشاهد الكويتية في أكتوبر 2018.

لكن السيسي نفسه كان قد صرح أكثر من مرة أن قرار المصالحة مع الإخوان يعود للشعب المصري، وهو ما فسره البعض وقتها بأن السيسي يفتح الباب أمام المصالحة.

فهل تستمر الحالة الساداتية مسيطرة على الأزمة المصرية، أو أن الأيام المقبلة تحمل انفراجة سواء بتسوية سياسية أو بثورة جديدة يقول نشطاء إنها ما زالت تداعب أحلام المصريين؟

المصدر : الجزيرة