"دولة مارقة" وحروب سرية.. لماذا لا تتجسس أميركا على الإمارات؟

ترامب خلال استقباله محمد بن زايد في البيت الأبيض عام 2017 (رويترز-أرشيف)
ترامب خلال استقباله محمد بن زايد في البيت الأبيض عام 2017 (رويترز-أرشيف)

تضطلع دولة الإمارات العربية المتحدة بتمويل اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الذي يحاول الإطاحة بالحكومة المعترف بها دوليا في ليبيا، كما تُسهم بدور قيادي في تحالف مجموعة من الدول تفرض حصارا على قطر رغم الدعوات الأميركية لتسوية هذا النزاع. 

وتستعين الإمارات -كما كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز هذا العام- بذوي خبرات سابقة كانوا يعملون في وكالة الأمن القومي الأميركية للتجسس، ضمن برنامج من بين أهدافه مراقبة أميركيين.

ورغم كل ذلك، قال ثلاثة مسؤولين سابقين في وكالة المخابرات المركزية الأميركية إن الوكالة لا تتجسس على حكومة الإمارات، وهو ما يعد شديد الغرابة، وذلك فيما يصفه بعض المنتقدين ببقعة مظلمة خطرة في عالم المخابرات الأميركية.

وهذا الموقف من جانب وكالة المخابرات المركزية ليس بالجديد، ولكن ما تغير هو طبيعة تدخل تلك الدولة الصغيرة التي تتمتع بنفوذ كبير والعضو في منظمة أوبك، في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا.

وقال مسؤول رابع كان يعمل سابقا في وكالة المخابرات المركزية إن إخفاق الوكالة في التكيف مع الطموحات العسكرية والسياسية المتنامية لدولة الإمارات، يرقى إلى مستوى "التفريط في الواجب".

وامتنعت وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي والبيت الأبيض عن التعليق على أنشطة التجسس الأميركية في الإمارات، ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية والسفارة الأميركية في الإمارات على طلبات للتعليق.

وقال أربعة مسؤولين سابقين في وكالة المخابرات المركزية إن جواسيس الوكالة يجمعون معلومات باستخدام العنصر البشري تقريبا عن كل دولة أخرى للولايات المتحدة مصالح كبيرة فيها، بما في ذلك بعض الحلفاء الرئيسيين.

وربما تكون السعودية أقرب دولة تمثل النقيض للإمارات فهي حليف آخر من حلفاء الولايات المتحدة يتمتع بنفوذ كبير في الشرق الأوسط ومنتج رئيسي للنفط، كما أنها تشتري السلاح الأميركي.

ويقول مسؤولان سابقان في وكالة المخابرات المركزية وضابط سابق في مخابرات دولة خليجية، إن الوكالة كثيرا ما تستهدف السعودية، على النقيض من الإمارات.

"دولة مارقة"
وقال مسؤول سابق في إدارة الرئيس دونالد ترامب إن غياب جمع المعلومات في الإمارات أمر مزعج، لأن تلك الإمارة تعمل الآن "كدولة مارقة" في دول إستراتيجية مثل ليبيا وقطر، بل أبعد من ذلك في القارة الأفريقية.

ففي السودان، أمضت الإمارات سنوات وأنفقت المليارات في دعم الرئيس السوداني عمر حسن البشير خلال حكمه الطويل، ثم تخلت عنه وأيدت القادة العسكريين الذين أطاحوا به في أبريل/نيسان.

كما أقامت الإمارات قواعد عسكرية في إريتريا وجمهورية أرض الصومال، وقال المسؤول السابق في إدارة ترامب "إذا ما قلبت أي حجر في القرن الأفريقي فستجد الإمارات هناك".

ففي اليمن قادت الإمارات والسعودية تحالفا يحارب الحوثيين المتحالفين مع إيران، غير أن الإمارات بدأت في الآونة الأخيرة تسحب قواتها، وسط انتقادات دولية بسبب الضربات الجوية التي سقط بسببها آلاف المدنيين قتلى، وأثارت أزمة إنسانية دفعت بالملايين إلى شفا المجاعة.

وفي الآونة الأخيرة أقر الكونغرس الأميركي قرارات تقضي بوقف مبيعات أسلحة للسعودية والإمارات، غير أن الرئيس ترامب استخدم حق النقض (الفيتو) للاعتراض على هذه القرارات.

وقد أنفقت حكومة الإمارات 46.8 مليون دولار على جماعات ضغط أميركية منذ 2017، وفقا لما يقدره مركز سياسات الاستجابة.

وقال أحد مسؤولي المخابرات المركزية الثلاثة وهو على علم بعمليات الوكالة في الإمارات، إن جمع معلومات عن حكومتها ضروري لأسباب تتجاوز تدخلاتها الإقليمية.

فالإمارات تعمل على صوغ علاقات وثيقة أيضا مع روسيا، بما في ذلك شراكة إستراتيجية واسعة المجال تم توقيعها العام الماضي للتعاون في مجالات الأمن والتجارة وأسواق النفط، وكذلك علاقات وثيقة مع الصين حيث قام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات بزيارة استغرقت ثلاثة أيام للصين الشهر الماضي، لحضور منتدى اقتصادي بين البلدين.

إلا أن بعض خبراء الأمن القومي ما زالوا يرون توافقا كافيا بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح الإمارات بما يفسر الغياب المستمر لنشاط التجسس، وقال مسؤول المخابرات المركزية المتقاعد نورمان رول -مشيرا إلى إيران وتنظيم القاعدة- "أعداؤهم أعداؤنا".

وأضاف "قدمت أفعال أبوظبي مساهمة في الحرب على الإرهاب ولا سيما ضد القاعدة في اليمن".

الديمقراطية تخيف
ويمسك ولي عهد أبو ظبي بمفاتيح السياسة الخارجية في الإمارات، وحوله مجموعة صغيرة من المستشارين. وقد اختار لمنصب مستشاره للأمن الوطني شقيقه طحنون بن زايد الذي درس في الولايات المتحدة، وهو من عشاق الفنون القتالية المتنوعة ويملك إسطبلا لخيول السباق العربية؛
أما ابنه خالد بن محمد بن زايد، فيدير شبكة المراقبة الداخلية الواسعة في البلاد.

ويرجع نزوع الإمارات المتزايد للتدخل في الخارج إلى عام 2011، فقد قالت جودي فيتوري الضابطة السابقة في مخابرات سلاح الجو والتي تعمل الآن في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إن الاحتجاجات الجماهيرية المطالبة بالديمقراطية في أنحاء المنطقة خلال انتفاضات الربيع العربي أثارت قلقا متزايدا داخل صفوف النخبة الحاكمة في الإمارات على احتفاظها بسلطتها.

واعتبر قادة الإمارات المظاهرات خطرا على الحكم الملكي في المنطقة، شأنهم شأن كثيرين من أفراد الأسر الحاكمة في منطقة الخليج.

ومنذ ذلك الحين حاربوا مدّ ما يُسمى بـ"الإسلام السياسي" وجماعة الإخوان المسلمين التي صعدت إلى كرسي الحكم في مصر لفترة وجيزة، بعدما أطاحت احتجاجات شعبية بالرئيس حسني مبارك في 2011.

وقطعت الإمارات الدعم المالي عن مصر عندما انتخب مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي رئيسا للبلاد في 2012، ثم استأنفت إنفاق مساعدات بالمليارات عندما أن أطاح الجيش المصري بمرسي بعد عام واحد.

المصدر : رويترز