تونس.. اعتقال القروي تطبيق للقانون أم إقصاء لمنافس عنيد؟

نبيل القروي قبيل تقديم ترشحه للانتخابات الرئاسية قبل أيام (رويترز)
نبيل القروي قبيل تقديم ترشحه للانتخابات الرئاسية قبل أيام (رويترز)

آمال الهلالي-تونس

لم تمر حادثة القبض على المرشح الرئاسي نبيل القروي من قبل الأجهزة الأمنية في تونس دون أن تخلف جدلا واسعا شعبيا وسياسيا حول دوافع القرار وتوقيته، قبل أقل من شهر على موعد الانتخابات الرئاسية.

وكانت وزارة الداخلية أكدت مساء أمس الجمعة إيقاف رئيس حزب "قلب تونس" والمرشح للرئاسة نبيل القروي، وإيداعه السجن تنفيذا لمذكرة اعتقال صادرة بحقه من إحدى الدوائر القضائية.

وأوضحت الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف بتونس أن قرار إصدار مذكرة الاعتقال بحق كل من القروي وشقيقه غازي القروي، تأتي في إطار تطبيق الفصل 117 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي ينص صراحة على أنه "يجوز دائما لدائرة الاتهام أن تصدر بطاقة إيداع ضد المظنون فيه (مذكرة اعتقال للمتهم)". 

ويأتي توقيف السلطات للقروي وشقيقه على خلفية شكاية رفعتها منظمة "أنا يقظ" الرقابية بحقهما منذ 2016 بتهمة التهرب الضريبي، في حين وجه القطب القضائي والمالي للمرشح الرئاسي تهمة "غسل الأموال والتحيل"، ليتم على إثرها تجميد ممتلكاته ومنعه من السفر في 8 يوليو/تموز 2019.

انتصار للقضاء
ووصف رئيس جمعية "أنا يقظ" أشرف العوادي، وهي جمعية رقابية مستقلة ضد الفساد، في حديثه للجزيرة نت، قرار إيقاف نبيل القروي بالانتصار للقضاء التونسي ولدولة القانون والمؤسسات.

ودعا العوادي إلى ضرورة الفصل بين المسارين الانتخابي والقضائي، مشددا على أهمية أن تأخذ العدالة مجراها ويحاسب الخارجون عن القانون بغض النظر عن التوقيت أو المحطات السياسية التي تشهدها البلاد.

ولفت رئيس منظمة أنا يقظ إلى أن إيقاف نبيل القروي لن يؤثر في مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، ولا على الانتخابات باعتبار أن الرجل لا يزال مشمولا بهذا الاستحقاق حتى وإن كان في السجن، طالما لم يصدر بحقه حكم قضائي نهائي.

مقابل ذلك طالب العوادي القضاء بعدم الكيل بمكيالين، وإثبات استقلاليته بأخذ باقي القضايا التي رفعتها منظمة "أنا يقظ" ضد مرشحين آخرين للرئاسة تحوم حولهم تهم فساد مالي واستغلال نفوذ، بينهم المرشحان يوسف الشاهد وسليم الرياحي.

وكان رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بوفون أكد لوسائل إعلام محلية أن القروي "سيظل مدرجا في قائمة المرشحين طالما لم يصدر حكم نهائي يحرمه من حق الترشح".

تطويع القضاء
وسارع حزب القروي "قلب تونس" إلى إصدار بيان شديد اللهجة ضد من وصفها بـ"العصابة الحاكمة" ندد خلاله بما قال إنها "سلسة ممارسات فاشية" بحق رئيسه، داعيا الأحزاب الديمقراطية إلى التحرك نصرة للديمقراطية وحقوق الإنسان.

نبيل القروي صاحب فضائية "نسمة" ورجل أعمال شهير في مجال الاتصال والإعلانات (رويترز)

واتهم القيادي بـ"قلب تونس" عياض اللومي في تصريح للجزيرة نت يوسف الشاهد باستغلال أجهزة الدولة ومؤسساتها وتطويع القضاء لإزاحة أشرس منافسيه في الانتخابات الرئاسية.

وبخصوص صدور أحكام قضائية ضد القروي، اعتبر اللومي أن المرشح ليس فوق القانون والتزم أكثر من مرة بقرارات القطب المالي، معربا عن مخاوفه من غياب شروط المحاكمة العادلة لرئيس حزبه.

ونفى اللومي صدور أحكام قضائية نهائية تستوجب إيقاف مرشح حزب سياسي بطريقة وصفها بـ "الفجة والمهينة"، مشددا على أن صدور قرار "تعسفي" بسجنه من دائرة الاتهام بالتزامن مع العطلة القضائية وقبل شهر من الانتخابات الرئاسية يشكك في نزاهة القضاء.

وأكد في ختام حديثه أن الحزب ماض في حملته الانتخابية الرئاسية والتشريعية، رغم صدور قرار إيقاف رئيسه وإيداعه في السجن، وأن هذه الحادثة ستزيد من شعبية القروي وحظوظه للفوز في الانتخابات الرئاسية.

أحزاب تدين وتحذر
وسارعت أحزاب تونسية لإعلان مواقفها بشأن إيقاف القروي وتداعيات ذلك على المسار الانتخابي.

وطالب حزب "آفاق تونس" السلطات القضائية بتوضيح تفاصيل اعتقال القروي، معبرة عن مخاوفها من "إمكانية استعمال الحكومة لأجهزة الدولة لإقصاء المنافسين السياسيين".

ودعا الحزب رئيس الحكومة إلى التسريع في البت بقضايا أخرى تهم الأمن القومي للبلاد، وعدم انتهاج سياسة انتقائية "حسب الولاء والمصالح والتحالفات الحزبية".

وفي السياق ذاته، أصدرت الجبهة الشعبية بيانا دعت خلاله إلى "ضرورة تحييد القضاء ومؤسسات الدولة، وعدم الزج بها في الصراعات الانتخابية وتصفية الحسابات السياسية والحزبية وبين لوبيات الفساد".

وحذرت من مغبة توظيف القضاء والأجهزة الأمنية ووسائل الدولة لتصفية الخصوم السياسيين بداعي مكافحة الفساد، ومن تداعيات هذه الممارسات على العملية الانتخابية والمناخ السياسي في البلاد.

وجددت حركة النهضة حرصها على استقلال القضاء و"النأي به عن المناكفة السياسية وعن كل شبهة توظيف تمسّ من مصداقيته واستقلاليته"، معبرة عن خشيتها من مغبة "اختلاط الزمن القضائي مع الزمن السياسي"، مما قد يشوش على العملية الانتخابية.

ودعت الحركة في بيان لها، الجهات المعنية إلى تقديم التوضيحات الضرورية لإنارة الرأي العام بشأن مبررات الإجراء المتخذ بحق نبيل القروي وخلفياته، منددة بإقحامها في القضية من أطراف بهدف "الاستثمار الرخيص".

مقابل ذلك، عبر حزب "تحيا تونس" عن استغرابه الزج بمرشحه للرئاسة يوسف الشاهد في قضية إيقاف القروي، مستنكرا في بيان له توظيف الحادثة في بعض المنابر الإعلامية لتشويه الحزب ورئيسه.

ودان الحزب حملات التشكيك في استقلالية القضاء ومحاولة ابتزازه والتأثير في قراراته، معربا بالمقابل عن "تمسكه بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون دون استثناء أو تمييز وحقهم جميعا في التقاضي وفقا لما يضمنه الدستور".

المصدر : الجزيرة