حدد أولويات السودان.. حمدوك أمام حقل من الألغام

تحقيق السلام وإصلاح الاقتصاد من أكبر التحديات التي تنتظر حمدوك (الأناضول)
تحقيق السلام وإصلاح الاقتصاد من أكبر التحديات التي تنتظر حمدوك (الأناضول)

أحمد فضل-الخرطوم

يتحتم على رئيس مجلس الوزراء السوداني الجديد عبد الله حمدوك اجتياز حقول من الألغام في سبيل الوصول إلى تنفيذ أولويات صعبة بادر إلى طرحها عقب أداء القَسم.

وينظر الشارع السوداني لحمدوك بوصفه منقذا لاقتصاد البلاد المتدهور منذ انفصال جنوب السودان في 2011 وذهابه بنحو 75% من إنتاج النفط، ما أدى لارتفاع متسارع للتضخم وتراجع مريع لسعر صرف العملة الوطنية (الجنيه).

وبرغم أن الثورة السودانية قادها تحالف عريض من القوى السياسية والمدنية، لكن الرجل سيصطدم بجبهة داخلية متصدعة على مستوى حلفاء الثورة أنفسهم، فضلا عن قوى سياسية تشعر بالإقصاء والتهميش.

وخلال الأشهر الستة الأولى من عمر الفترة الانتقالية الممتدة لثلاث سنوات سيكون على حمدوك إدارة ملف قضايا الحرب والسلام بما يؤدي إلى تسوية معقولة مع الحركات المسلحة.

الوفاق الوطني
من المرجح ألا تنجح رسائل تطمينية بثها حمدوك مفادها أنه برغم ترشيحه من قوى الحرية والتغيير سيكون عمله لأجل كل السودانيين، في الحد من تيارات معارضة آخذة في التشكل مثل تنسيقية القوى الوطنية التي يقف على رأسها حزب المؤتمر الشعبي.

ويقلل القيادي في حزب المؤتمر الشعبي تاج الدين بانقا من أهمية حديث رئيس الوزراء ويصفه بأنه "حديث مغتربين" مرده إلى أن الرجل لم يقرأ الوثيقة الدستورية على ما يبدو.

ويقول بانقا للجزيرة نت، إن حمدوك على رأس حكومة الحرية والتغيير وهي حكومة ستنفذ برنامج هذا التحالف الذي يخلو من التوافق، بحسب رأيه.

وينصح حمدوك بفتح وثيقة الدستور للتعديل بهدف استيعاب آراء القوى السياسية الأخرى، إذ إن الدستور الحالي لا يخول لرئيس الوزراء غير برنامج القوى التي رشحته لهذا المنصب، مضيفا "إن كان (حمدوك) جادا، فعليه أن يطرح أولا تعديل الدستور".

وكان زعيم حزب المؤتمر الشعبي علي الحاج قد تعهد في تصريحات سابقة بـ"تمزيق" الوثيقة الدستورية وإسقاط الحكومة الجديدة.

الحراك الشعبي السوداني يطالب بمدنية الدولة (رويترز)

الحرب والسلام
ووفقا لمنطوق وثائق الفترة الانتقالية ينبغي أن تعمل الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام خلال الأشهر الستة الأولى من عمرها، وهو ما وضعه حمدوك ضمن أولوياته ببناء سلام مستدام وإنهاء معاناة النازحين واللاجئين.

ويؤمّن الصادق يوسف حسن نائب رئيس حركة العدل والمساواة ونائب رئيس المركز الأوروبي السوداني لدراسات السلام في القرن الأفريقي بباريس على ما ذهب إليه حمدوك، بقوله إن هذه القضية ستظل هاجسا للحكومة المقبلة.

بيد أن يوسف يؤكد للجزيرة نت أن المطمئن أن حمدوك في حديثه أعطى القضية الأولوية، قائلا "إن للرجل اتصالات مع كل الحركات المسلحة وتفاءَلنا بخطابه لعلاج المشكلة".

ويبدي يوسف أمله في ألا يعود الملف للمربع الأول عندما فاوضت الحكومة السابقة بأبوجا والدوحة وأديس أبابا دون فائدة، وذكر أن ثمة متطلبات للجبهة الثورية "تحالف الحركات المسلحة" وللنازحين واللاجئين والترتيبات الأمنية.

أزمة الاقتصاد
ويبدي الخبير الاقتصادي محمد الناير تفاؤله بحديث حمدوك عن الاعتماد على الإنتاج والموارد الذاتية وليس الهبات والمنح، فضلا عن وعده بالتدقيق في معايير طاقم حكومته برفض أي ترشيحات لقوى التغيير للوزارات حال جاءت ضعيفة.

لكن الخبير يعود ويحذر من اللجوء للحلول السهلة برفع الدعم عن المحروقات وغيرها من السلع والخدمات، لأن النظام السابق جربها خمس إلى ست مرات وتسببت في تراجع قيمة الجنيه، وفي خلق ضغوط جديدة على المواطن الذي لن يحتمل مزيدا من الأعباء.

ونصح الناير بتحقيق استقرار سعر الصرف وإيجاد القيمة الفعلية للجنيه أولا، ومن بعد ذلك النظر في رفع الدعم.

وقاد رفع الدعم عن الوقود لاحتجاجات عنيفة في سبتمبر/أيلول 2013 راح ضحيتها حوالي مئتي متظاهر برصاص الأجهزة الأمنية، كما اندلعت الاحتجاجات التي أطاحت بعمر البشير في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي بسبب مضاعفة سعر الخبز.

الخبير الاقتصادي الناير نصح بتحقيق استقرار سعر الصرف وإيجاد القيمة الفعلية للجنيه (الجزيرة)

مسارات الحل
ويقترح الخبير الاقتصادي مسارين لإصلاح الاقتصاد على أن تسود روح التوافق بين العسكريين والمدنيين خلال الفترة الانتقالية القصيرة وتجنب تداخل الصلاحيات بين مجلسي السيادة والوزراء.

ويرى أن مسارا للمدى القصير يجب أن يزيل تشوهات الاقتصاد مثل وجود سعرين للدولار "رسمي وموازٍ"، وسعرين للسلع والخدمات "شيك وكاش"، واستئصال الطبقة الطفيلية والسماسرة وألا تبتعد الدولة عن رقابة وضبط السوق بحجة سياسة التحرير.

ويعتبر الناير شح السيولة النقدية تشوها كبيرا، إذ إن 97% إلى 98% من أوراق النقد خارج المصارف، مبينا أن حمدوك تحدث عن إعادة هيكلة البنوك السودانية التي لا تعادل مجتمعة رأس مال بنك أجنبي، واقترح زيادة رأس المال المدفوع إلى مليار جنيه لأي بنك.

موارد مهدرة
ويذكر الناير أنه لا بد من الاستفادة من الذهب باحتكار البنك المركزي لشراء المنتج، حيث إن الإنتاج بلغ مئة طن سنويا معظمها يهرب، ووفقا لتقارير رسمية فإن السودان صدّر خلال النصف الأول من العام الجاري 6.6 أطنان بينما المستهدف خمسون طنا.

ويدعو لجلب مدخرات وتحويلات المغتربين "6 ـ 8 مليارات دولار سنويا" للجهاز المصرفي عبر منحهم حوافز وقيمة حقيقية للتحويلات، فضلا عن تحقيق معالجات سياسية بإزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب وكبح الفساد وإحلال السلام.

وعلى المدى الطويل يرى أن خططا محكمة لزيادة الإنتاج والإنتاجية في الزراعة والرعي والصناعة ووقف صادرات الخام باستثناء صادر الهدي (الأضاحي)، ستؤتي أكلها خلال عام إلى عامين.

المصدر : الجزيرة