صرخة معتقل.. 8 أسئلة تروي قصة رسالة المعتقلين لقادة الإخوان بمصر

المعتقلون الموقعون على الرسالة طالبوا قادة الإخوان بإيجاد مبادرة أو حل يسهم في إنهاء معاناتهم (مواقع التواصل)
المعتقلون الموقعون على الرسالة طالبوا قادة الإخوان بإيجاد مبادرة أو حل يسهم في إنهاء معاناتهم (مواقع التواصل)

الجزيرة نت-خاص*

بين مصدوم مما ورد في الرسالة ومن يرفضها ويشكك في نسبتها إلى شباب الإخوان، وبين من رأى فيها مناورة سياسية من الجماعة أملا في الإفراج عن آلاف المعتقلين من أبنائها؛ اختلفت ردود الأفعال بشأن الرسالة التي وجهتها مجموعة من الشباب المعتقلين إلى قادة جماعة الإخوان المسلمين.

الاثنين الماضي تسربت لوسائل الإعلام رسالة من داخل سجن طرة موجهة إلى قيادات الجماعة، تكشف عن حجم المعاناة التي يعيشها المعتقلون السياسيون في مصر، وتطالب قادة الجماعة داخل وخارج السجون بأن يتحركوا بكل ما أوتوا من قوة لحل أزمتهم مع العسكر والنظام في مصر، وألا يترددوا في أخذ خطوة للوراء تحفظ لهم ما تبقى من بقايا جماعة، وتحفظ عليهم القليل مما تبقى من شبابهم.

ووفقا لما ورد في الرسالة (التي نورد صورا لها أسفل التقرير) فقد أعدها وأقر بها صياغة ومضمونا ونصا ومحتوى ما يقرب من 350 شابا، معظمهم من داخل سجن طرة (جنوبي القاهرة)، والباقي ممن يرِدُ على هذا السجن في مناسبات كأداء امتحانات أو في طريقه لحضور جلسات للمحاكمة، أما من وافق على مضمونها ومحتواها دون الاطلاع على صيغتها ونصها النهائي؛ نظرًا لصعوبة التواصل مع السجون الأخرى؛ فهم أكثر من ألف شاب من مختلف سجون مصر.

ومن أبرز ما جاء في الرسالة "إننا نقر نحن الشباب بأن السجن أصبح أكبر مؤثر على أفكارنا وتوجهاتنا، وليست الشواهد عنكم ببعيد، فمن الشباب من دخل السجن دون أي فكر أو توجه وكوّن فكره وتوجهه داخل السجن، ومنهم من كان صاحب فكر وتوجه وأفقده السجن فكره ومنحه فكرًا آخر، لكن أكثر تلك الأوجه انتشارًا هم هؤلاء من دخلوا السجن يحملون فكر الإخوان وانتزعه منهم السجن انتزاعًا، ومنحهم فكًرا آخر أو تركه دون أي أفكار، فتصبح جماعة الإخوان أكثر المتضررين بطول الأزمة وطول أمدها".

وأضافت الرسالة مخاطبة قيادات الإخوان "إننا لنرفض كل ما يرفع إليكم من تصوير للأوضاع داخل السجون من ثبات وصمود وعلو همة عن طريق القيادات الصغيرة المنتشرة داخل السجون، والله لهي أبعد ما يكون عن الصورة الحقيقية، وهم يعلمون جيدًا أن الوضع خلاف ما يقولون، بل إن الكثير من تلك القيادات تمسي تلعن السجن والقهر الذي صرنا فيه وتصبح تغرِد بكلمات الثبات والصمود عكس ما تضمر بداخلها".

وحول تقبل أفراد الجماعة وأنصارها فكرة التصالح مع النظام قالت الرسالة "وإن كنتم قلقين من أن يثور الشارع عليكم ويسمعكم جملا من قبيل "ما كان من الأول" وما على شاكلتها، فإن فرحة أسر وأهالي وجيران وأصدقاء المعتقلين -وهم كثر- بعودتهم وخروجهم ستنسي الجميع وتهدئ غضبهم، ولئن يذكر التاريخ أنكم أخذتم خطوة للوراء حفظتم بها أفرادكم وصفكم، خير من أن يذكركم التاريخ أنكم تماديتم في عناد ضد العسكر والنظام لا رؤية ولا خطة تدعمه وتوصله لبر يرسو عليه، فهلكتم وهلك من معكم".

وفي ظل حالة الجدل التي سببتها الرسالة، سعت الجزيرة نت للتحقق من صحة هذه الرسالة، عبر التواصل مع عدد من المعتقلين في أكثر من سجن، كما تواصلت مع بعض المحامين والحقوقيين الذين يترافعون عن المعتقلين وعلى اتصال مباشر معهم، لكنها تفضل عدم ذكر أسمائهم حفاظا عليهم، وستكتفي بنشر إجاباتهم.

وفقا لمصادر حقوقية يشكل الإخوان 35% من عدد المعتقلين السياسيين في مصر (رويترز)

من أصحاب هذه الرسالة؟
حسب ما توصل إليه بحث الجزيرة نت فهم عدد من شباب المعتقلين من داخل التيار الإسلامي (إخوان مسلمين وجماعة إسلامية وسلفيين) ومن خارج التيار الإسلامي أيضا، خاصة المستقلين الذين لا يتبعون أي تنظيمات سياسية، وإن كانت أعداد الإخوان التي وقّعت أو وافقت على الرسالة هي النسبة الأقل مقارنة بأعداد شباب المعتقلين من خارج الإخوان.

كيف جرى التنسيق لهذه الرسالة بين المعتقلين؟
من المعلوم أن السجون بها فترات تريض يوميا، قد تصل لساعة في اليوم أو أكثر، وهناك فترات تنقل بين العنابر المختلفة، وأخرى تجمع الطلاب المعتقلين خلال أداء الامتحانات، فضلا عن تجمعهم في جلسات المحاكمات وذهابهم جميعا داخل سيارة ترحيلات واحدة في الذهاب والعودة، أو التواجد خلال حجز النيابة أو المحكمة، وهو ما يسمح لكثير من المعتقلين بالتقاء بعضهم البعض، وهو ما أدى بالفعل إلى حدوث نوع من أنواع التواصل والتشاور والتحاور بين هؤلاء الشباب المعتقلين.

وحسب المصادر ذاتها، فإن الفكرة الأساسية لهذه الرسائل موجودة ومتداولة منذ أواخر عام 2016، وكان النقاش والجدل الأوسع منذ ذلك الحين حول جدواها ومدى تأثير خروج مثل هذه الرسائل والقدر المتوقع للتفاعل معها، وكانت أغلب الآراء تذهب إلى أنه لا جدوى حقيقية لإخراج هذه الرسائل، وإن كان هناك شبه توافق على أن أغلب المعتقلين بلغوا من المعاناة مبلغا يجعلهم مستعدين لقبول أي تحرك يساعد على خروجهم من المعتقل، وإن تضمن تنازلا من قبلهم أو من قبل ممثليهم في الخارج.

ومؤخرا، ومع تطاول أمد الاعتقال، توافق العشرات من المعتقلين في عدد من السجون على صيغة هذه الرسالة من سجون رئيسية؛ كسجون المزرعة ومحكوم وليمان والاستقبال في مجمع سجون طرة، إضافة إلى سجون الفيوم وبني سويف والمنيا، وجرى التواصل من خلال ما يتوفر بشكل غير رسمي لوسائل الاتصال، وكذلك من خلال بعض الأهالي.

كيف خرجت الرسالة إلى الإعلام؟
الرسالة كتبها أحد الشباب المعتقلين بخط اليد، ثم خرجت عبر الأهالي خلال إحدى الزيارات، ثم سُربت لوسائل الإعلام عن طريق بعض الحقوقيين والعاملين في المجال الإعلامي، وذلك قبل نشرها على مواقع التواصل، ولكن للأسف رفضت جهات إعلامية كثيرة نشْر تلك الرسالة في بداية الأمر، باعتبارها مجهولة المصدر، وفي ظل تشكيك البعض فيها، إلا أنه مع انتشار التفاعل الكبير جدا معها تم تداولها في بعض وسائل الإعلام العربية، سواء كانت مؤيدة أو مناهضة للنظام.

سجن طرة (جنوبي القاهرة) يضم نحو ستة آلاف معتقل سياسي (ناشطون)

هل جرت نقاشات أو خلافات بين المعتقلين بشأن الرسالة؟
بالطبع، واحتاج ذلك وقتا من النقاش نظرا لاختلاف الآراء والتوجهات، وبعدما تبلورت الأفكار حدث التوافق بين مجموعة من المعتقلين بلغت نحو 1350 معتقلا على مجمل الأفكار المطروحة بعد الوصول لصيغها النهائية.

وبالطبع هذه التوقيعات كانت ضمنية وليست فعلية؛ نظرا للظروف الأمنية التي يعلمها الجميع.

ونقلا عن معتقلين سابقين، فربما ساعد على خروج هذه الرسالة صعوبة الأوضاع داخل السجون، وما يتعرض له المعتقلون، وكذلك عائلاتهم، حيث تتكلف الزيارة الواحدة عدة آلاف من الجنيهات، كما تحدثت هذه المصادر عن خلافات كبيرة بين قيادات الإخوان وشبابهم داخل السجون، ووجود أزمة ثقة في ظل عدم وضوح المستقبل وما يراه الشباب من إخفاق تام للجماعة في السنوات الست الماضية.

هل للأمن دور في هذه المبادرة أو الرسالة؟
ما نعلمه تماما بشأن الرسالة التي تطرقت لأوضاع المعتقلين المأساوية أنها لا علاقة لها مطلقا بأي جهات أمنية أو مخابراتية، فهؤلاء الشباب كانوا مناهضين للانقلاب وكل ما حدث في الثالث من يوليو/تموز 2013، وهم مواطنون عاديون أرهقتهم الأوضاع البائسة داخل السجون، وفقدوا كل أمل في إحداث تغيير أو في وجود أي حراك قد يسهم في إخراجهم من المعتقلات، وهو ما دفعهم لصياغة هذه الرسالة التي وجهوها إلى قادة الإخوان والمطالبة بضرورة وجود حل.

لكن المصادر لم تستبعد علم الأمن بمضمون الرسالة ورضاه عن تداولها، لكنهم ينفون أن يكون له دور فيها أو ممارسته ضغوطا لتبنيها، ولا يعلمون حتى الآن موقف الأمن منها.

المعاناة تمتد إلى عائلات المعتقلين (رويترز)



وفي هذا الصدد، حرصت المصادر على تأكيد أن الرسالة ليست تعبيرا عن الاستسلام أو الانهزام بشكل تام وكامل، ولم يكن بها ما يشير إلى ذلك، بخلاف مبادرة أخرى راجت في الوقت نفسه ونسبت لأهالي بعض المعتقلين، وطلبوا فيها من الأمن الإفراج عن أبنائهم مقابل الاعتذار والتعهد بعدم العمل السياسي، فضلا عن دفع تبرع بقيمة خمسة آلاف دولار لصندوق "تحيا مصر".

من جانبه، لا يستبعد أحمد العربي الباحث الحقوقي بالتنسيقية المصرية للحريات أن يسعى الأمن المصري لاستغلال الرسالة لإحداث وقيعة بين جماعة الإخوان والمعتقلين، مشيرا إلى أن هذا ظهر واضحا خلال تغطية القنوات التابعة للنظام للرسالة.


ما خريطة سجون طرة؟ وكم عدد المعتقلين السياسيين بها؟ وما نسبة الإخوان بينهم؟

مجموعة سجون طرة تتكون من عدة سجون: الاستقبال – التحقيق – العقرب 1 – العقرب 2 – المزرعة – ملحق المزرعة. وبالطبع أعداد الزنازين والعنابر تختلف من مكان لآخر، وبالطبع يصعب جدا حصر أعداد العنابر أو المعتقلين داخلها، إلا أن أعداد المعتقلين داخل جميع سجون طرة -وفق أرقام تقريبية- تزيد على ستة آلاف معتقل، بحسب الأرقام التي لدينا.

ووفقا للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، فإن نسبة المعتقلين الإخوان لا تتجاوز على أقصى تقدير 35% من إجمالي عدد المعتقلين السياسيين في السجون المصرية، وهذه النسبة تقل أو تختلف من سجن لآخر ومن منطقة لأخرى، وحسب الإفراجات التي تحدث أحيانا من وقت لآخر.

مجموعة من المعتقلين بأحد السجون المصرية (مواقع التواصل)


شهدت السجون المصرية مبادرات مشابهة، فما أبرز تلك المبادرات؟ وماذا كان مصيرها؟

لا توجد مبادرات متكاملة بالمعنى الشامل داخل السجون، إنما هي أفكار أو اجتهادات أو تصورات بشكل ما، وبالأحرى هي استغاثات بمعنى أدق، ولا يمكن مقارنتها بالمبادرة الشهيرة التي أطلقتها الجماعة الإسلامية خلال عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك في تسعينيات القرن الماضي، لكن عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 كانت هناك محاولات لجس النبض لبعض المبادرات التي خرجت من هنا أو هناك، لكنها لم ترتق إلى مبادرة واضحة المعالم يمكن التعاطي معها بجدية وإيجابيا وبشكل كامل.

وفي بداية عام 2015 قام جهاز الأمن الوطني بطرح ما سمي "إقرارات التوبة" داخل سجون طرة، بزعم نبذ العنف والتبرؤ من جماعة الإخوان، وهذه المبادرة بحسب ما قمنا برصده وتوثيقه حينها لم يوقع عليها أي من معتقلي الإخوان المسلمين، وأغلب من قاموا بالتوقيع عليها من التيار المدني أو المستقلين، وتم وضع الذين وقعوا حينها على "إقرارات التوبة" في عنبر واحد بسجن استقبال طرة، والغريب أنه لم يتم الإفراج عنهم حتى الآن، بل إن بعضهم تم الحكم عليهم بالإعدام وبأحكام غليظة كالمؤبد.

وكان أقصى ما حصل عليه هؤلاء بعض التسهيلات كزيادة عدد ساعات التريض والزيارات المسموح بها، وعدم تعرضهم لأي تعذيب أو تضييق أمني، إلا أنهم كانوا يأملون الخروج بعد توقيع إقرارات التوبة، لكن لم يحدث أي شيء حتى الآن.

ويؤكد أصحاب الرسالة التي خرجت مؤخرا أنها مختلفة ولا تقوم على مبادرة مقدمة من الأمن، وإنما ما تم التوافق عليه هو مطالبة قيادة المعارضة في الخارج، وعلى رأسها الإخوان، أن يقدموا مبادرة حقيقية تساعد على خروجهم من السجون.

هل يستغل الأمن هذه المبادرات في إحداث بلبلة وصراعات بين معارضي السلطة؟

بطبيعة الحال تسعى الجهات الأمنية لمحاولة استغلال مثل هذه المبادرات أو الأطروحات أو الاستغاثات لصالحها، ويسعون لمحاولة إحداث بلبلة ووقيعة بين المعتقلين، خاصة أن هناك اختلافات بين جميع المعتقلين داخل السجون، سواء في التوجهات أو الأفكار، أو بشأن رؤيتهم لإدارة المشهد، أو طريقة وطبيعة التنازل الممكن، أو حتى بشأن موقفهم من قضية المراجعات، بخلاف وجود خلافات شخصية بين بعض المعتقلين.
__________________

*تحرير عبد الرحمن أبو الغيط
*شارك في الإعداد من القاهرة: وائل حسني وعبد الرحمن محمد ومحمد سيف الدين وكريم عادل.



المصدر : الجزيرة