إندونيسيا.. سقف مطالب بابوا يرتفع إلى تقرير المصير والحكومة تسعى للاحتواء

مظاهرة لناشطين من بابوا في جاكرتا أمام القصر الرئاسي اليوم (الجزيرة)
مظاهرة لناشطين من بابوا في جاكرتا أمام القصر الرئاسي اليوم (الجزيرة)

صهيب جاسم وأحمد ترمذي-جاكرتا

اتسعت رقعة المظاهرات المتواصلة منذ الاثنين الماضي في شرق إندونيسيا، وتحولت إلى أعمال شغب، وقطعت السلطات الاتصالات بحجة التقليل من انتشار "رسائل التحريض"، في حين تحاول الحكومة احتواء الأزمة بالحوار والاعتذار ووعود التنمية.

وأعلنت وزارة الإعلام الإندونيسية قطع شبكة الإنترنت عن إقليمي بابوا وبابوا الغربية (شرقي إندونيسيا)، وعللت ذلك بالتقليل مما وصفتها برسائل التحريض، مؤكدة أن هذا الوضع سيظل حتى تعود الأوضاع لحالة الاستقرار.

وتتواصل المظاهرات على خلفية ما اعتبر إساءة لطلبة من إقليم بابوا في حادثتين شرقي جزيرة جاوا الأسبوع الماضي، وتحولت إلى أعمال شغب وحرق للمباني والمؤسسات العامة والأسواق، وشملت مدن مانوكواري وجايا بورا وسورونغ وميميكا ونابيري وياهوكيمو.

ويتوقع أن تتواصل المظاهرات خلال الأيام القادمة، مع ارتفاع سقف شعاراتها إلى الوضع السياسي لإقليمي بابوا ذي الحكم الذاتي، وهو ما دفع الشرطة إلى حشد المزيد من عناصرها من أقاليم أخرى خلال الساعات الأخيرة.

وخرجت المظاهرات من نطاق بابوا اليوم لتصل إلى مدينة باندونغ بجاوا الغربية ومكاسر، وحتى دولة تيمور الشرقية التي انفصلت عن إندونيسيا قبل عشرين عاما.

مطالب المتظاهرين
وفي جاكرتا، نظم مئات من تحالف طلبة بابوا احتجاجا طالبوا فيه بتنظيم استفتاء يقرر مصير الإقليمين الواقعين في أقصى شرق إندونيسيا، اللذين يشهدان حراكا انفصاليا منذ عقود، حيث تنشط هناك فصائل تحت مسمى منظمة بابوا المستقلة.

وتعد مظاهرة اليوم من أكبر المظاهرات التي ينظمها طلبة بابوا في جاكرتا منذ سنوات طويلة، كما وزعوا بيانا يصف الحكم الإندونيسي بالاستعمار.

وقدم الطلاب في بيانهم نحو عشرين مطلبا، منها رفض تمديد الحكم الذاتي الحالي، ومحاكمة أو فصل عناصر الأمن والجيش والمسؤولين الذين كانوا على علاقة بما حدث لطلبة بابوا مؤخرا، وإدانة الخطاب "العنصري" بحق البابويين، واحترام حق التجمع وحرية التعبير، وفتح المجال للصحفيين لتغطية الأحداث في بابوا، وسحب القوات العسكرية من المناطق التي تشهد توترا.

المظاهرات انطلقت الاثنين الماضي في بابوا (رويترز)

وفد حكومي
الحكومة من جانبها وعدت بالتعامل القانوني مع من يتهمهم طلبة بابوا بإهانة زملائهم في مدينتي سورابايا ومالانغ الأسبوع الماضي، بعد أن اعتذرت حاكمة إقليم جاوا الشرقية وأعلنت تقديم عدة مبادرات تعاونية مع إقليمي بابوا وبابوا الغربية.

وينتظر أن تطلق الحكومة الإندونيسية حوارا شاملا للخروج من الأزمة التي انفجرت بصورة مفاجئة وسط انشغال النخبة الإندونيسية بتقاسم مغنم الفوز بالانتخابات الرئاسية وتوزيع الحقائب الوزارية.

وكان أول المسؤولين من الحكومة المركزية زيارة لإقليمي بابوا وبابوا الغربية هو الوزير المنسق للشؤون الأمنية والسياسية والقانونية الجنرال المتقاعد ويارنتو، ومعه القائد العام للشرطة ورئيس أركان الجيش الإندونيسي، حيث التقوا قادة مجتمع ورجال دين ومسؤولين محليين في سورونغ، ومن المقرر أن يتجه الوفد الحكومي إلى مدن أخرى في شرق إندونيسيا.

وتلقى الوفد الحكومي مطالب كثيرة، منها تحكيم العادات والتقاليد ودعوة الرئيس الإندونيسي جوكوي إلى التعجيل بزيارة بابوا لنزع فتيل الأزمة.

وفي آخر تصريح له، أعلن جوكوي أنه أعطى تعليماته للشرطة بالتعامل القانوني الحازم مع المتورطين في التمييز العنصري أو الإثني، وقال إنه يتابع التطورات في بابوا.

وأضاف الرئيس "الحمد لله الأوضاع بدأت تعود إلى حالها الطبيعي، والاعتذار قُدم للتأكيد على اتساع صدرنا وعفونا واحترامنا المتبادل وتقديرنا لإخواننا، ونحن نشترك معا في الأرض والوطن".

كما وعد جوكوي بدعوة قادة بابوا من الشخصيات القبلية والدينية والسياسية إلى القصر الرئاسي الأسبوع المقبل للحديث عن الأوضاع في بابوا وتسريع مسار التنمية فيها.

احتمال التدويل
ويرى البعض أن قضية بابوا قد تتجه نحو التدويل بشكل أسرع مما يتوقعه المسؤولون، فلم تمض أيام على بدء المظاهرات حتى قال حاكم إقليم بابوا لوكاس إينيمبي للصحفيين إنه لم يعد يثق في الآليات المحلية لحل قضية الحكم الذاتي، وإنه لا بد من اتفاقية دولية يشارك فيها طرف ثالث كوسيط.

ويبدو أن الحاكم يتجه نحو خيار إقليم آتشيه عام 2005 عندما توقف الصراع الانفصالي المسلح فيه إثر كارثة تسونامي باتفاقية سلام شارك فيها وسيط أوروبي، حيث يرى إينيمبي أنه "لا بد من هذا الخيار، وإلا فلن تتغير الحال، لقد تقدمت آتشيه بشكل سريع بفضل اتفاقية قوية".

وبحسب مصادر إعلامية إندونيسية، فإن مسؤولين بإقليمي بابوا وبابوا الغربية ينظرون إلى هذا الخيار بجدية بعد نحو عشرين عاما من تطبيق الحكم الذاتي، كما انتقد حاكم الإقليم مشاريع التنمية التي تقوم به حكومة جاكرتا، معتبرا أنها لم تلامس حياة الناس اليومية، مضيفا "مجتمع بابوا لا يحتاج إلى عمران بل يحتاج إلى حياة".

المصدر : الجزيرة