بعد توقيع الوثيقة الدستورية بالسودان.. مخاوف من مطبات قانونية

توقيع الوثيقة الدستورية لحظة تاريخية في مسيرة الثورة السودانية لكن البعض يتخوف مما بعدها (الأناضول)
توقيع الوثيقة الدستورية لحظة تاريخية في مسيرة الثورة السودانية لكن البعض يتخوف مما بعدها (الأناضول)
أحمد فضل-الخرطوم
دشن توقيع الوثيقة الدستورية بالسودان السبت بداية فترة انتقالية تمتد ثلاث سنوات، وحقبة جديدة في تاريخ البلاد السياسي، لكن ثمة مخاوف من مطبات ربما تعيق الشراكة الحقيقية بين العسكريين والمدنيين.

فقد أبدى الحزب الشيوعي -الشريك في تحالف الثورة- رفضه للوثيقة، كما تخوف حزب المؤتمر الشعبي من أن تؤدي إلى تمزيق البلاد.

فلا يبدو عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي عبد الفتاح بيضاب متفائلا بمستقبل الوثيقة الدستورية، قائلا إن ثمة مطبات يمكن أن تظهر مع بداية الفترة الانتقالية جراء ما عده نصوصا ملغومة في متنها.

ويقول بيضاب للجزيرة نت إن "الوثيقة نصت على إلغاء العمل بدستور سنة 2005 وتظل القوانين الصادرة بموجبه سارية المفعول ما لم تعدل أو تلغى، وهو نص لم يحدد آلية التعديل والإلغاء ولا مداه الزمني".
احتفالات السودانيين بتوقيع وثيقة المرحلة الانتقالية (الفرنسية)
مسؤولية الجرائم
واعتبرت الوثيقة المراسيم الصادرة منذ 11 أبريل/نيسان 2019 سارية المفعول ما لم تعدل أو تلغى. ويقول بيضاب إن الملاحظة هنا كأنما وقعت قوى الحرية والتغيير على الوثيقة منذ 11 أبريل/نيسان مع المجلس العسكري، وبالتالي تتحمل معه مسؤولية أي خروق ومجازر أثناء هذه الفترة بما فيها فض الاعتصام.

لكن المحامي طارق كانديك القيادي من قوى الحرية والتغيير يرى أن التعديل والإلغاء محسوم بالمجلس التشريعي، الذي يجيز القوانين بالأغلبية البسيطة.

ويضيف كانديك للجزيرة نت أن اعتبار المراسيم الصادرة منذ 11 أبريل/نيسان سارية المفعول ما لم تعدل أو تلغى لا يعني تحمل قوى التغيير مسؤولية فض الاعتصام، لأن هذه توجيهات متعلقة بصلاحيات روتينية وليست مراسيم رئاسية.
التعيين والإقالة
ويقول عضو اللجنة المركزية إن من صلاحيات مجلس السيادة تعيين رئيس الوزراء بعد ترشيحه من قوى التغيير، والملاحظة هنا أن الإقالة ملازمة للتعيين، ومجلس السيادة يمكنه إعفاء رئيس الوزراء متى شاء.

كما أن الوثيقة نصت على أن رئيس الوزراء يعين الوزراء، وهو شكل من أشكال حكم الفرد، ويسمح لرئيس الوزراء بإقالة الوزراء متى شاء أيضا.

بيد أن كانديك يقلل من مخاطر صلاحيات التعيين لمجلس السيادة في الوثيقة الدستورية لجهة أنها محكومة بصلاحيات مجلسي السيادة والوزراء.

ورأى أن منح رئيس الوزراء أحقية اختيار الوزراء القصد منه صنع فريق حكومي متفاهم، لكنه محكوم بثلاثة خيارات ترشحها قوى التغيير لكل حقيبة وزارية. 


السلطة القضائية
وانتقد بيضاب منح مجلس السيادة سلطة العفو عن المدانين وفق القانون، وعده تحايلا على تحجيم الحصانة في الإعلان الدستوري وتهديد لاستقلالية القضاء.

وينفي كانديك وجود سلطة مطلقة للعفو قائلا إنها تمارس عبر مجلس السيادة الذي يجيز القرارات بأغلبية الثلثين وللمدنيين ستة أعضاء فيه، مقابل خمسة عسكريين.

لكن القيادي في قوى الحرية والتغيير محمد عصمت يحيى يقر بأن ثمة مشكلة تتعلق بتعيينات السلطة القضائية والنائب العام، لأن العسكريين لا يريدون مؤسسات قادرة على المحاسبة.

ويؤكد للجزيرة نت أن كتلة الإجماع الوطني التي ينتمي إليها دونت 14 ملاحظة في الوثيقة، من بينها عدم إيراد نص عن استقلالية القرار الفني في بنك السودان، أسوة بالنائب العام والمراجع العام.
الأجهزة العسكرية
ويرى بيضاب أن ترشيح العسكريين وزيري الداخلية والدفاع، وإيكال إصلاح المؤسسات العسكرية للعسكريين؛ مخالف لطبيعة الدولة المدنية، التي تتطلب تبعية هذه الأمور لمجلس الوزراء، وانتقد الاعتراف بقوات الدعم السريع.

وهنا يقر كانديك بأن ثمة اعترافا بأمر واقع ليس مثاليا، ويذكر أن الأمر يتطلب علاجا تدريجيا نصت عليه الوثيقة، ويضيف أن "هذه القوات واقع تتعامل معه قوى الثورة".

وبشأن المجلس التشريعي يخشى بيضاب أن يتعثر تشكيله بسبب نسبة 33% من مقاعده التي ستشمل جميع مكونات المجتمع، مما يفتح الباب لإعادة التفاوض حول من الذي يشارك.

لكن كانديك يبين أن المشاركة في هذه النسبة ستكون وفق شروط تشمل عدم الانتماء لحزب المؤتمر الوطني، أو لأي حزب شاركه السلطة حتى سقوط النظام، والإيمان بالتغيير وإن لم يكن موقعا على إعلان الحرية والتغيير.

ويضيف أنه سيتم التشاور مع قوى الحرية والتغيير -التي تحوز 67% من مقاعد البرلمان- في ملء 33% من المقاعد الأخرى.
مخاوف "الشعبي"
في مقابل ذلك، عدّ حزب المؤتمر الشعبي الوثيقة مدعاة لتمزيق السودان، وقال مسؤول الدائرة العدلية بالحزب محمد عالم للجزيرة نت إن "الإرادة السودانية مسلوبة ومرتهنة في الوثيقة".

وعاب على الوثيقة عدم النص على مصادر التشريع، وتوقع انهيارها سريعا رغم تسيد حسن الظن، واعتبر إغفال النص للدين واللغة الرسمية للدولة خطأ لأنها أمور بديهية.

وتساءل محمد عالم عن الأطراف التي يمكن أن تعدل الوثيقة، حيث إن طرفيها أحدهما "المجلس العسكري" الذي سيختفي للأبد اعتبارا من يوم السبت، والآخر "الحرية والتغيير"، الذي هو منقسم بعد آراء الجبهة الثورية الناقدة لحلفائها.

لكن الرجل يعود ويقول إن الوثيقة تؤكد ابتداء من السبت انتهاء حقبة البشير ودور العسكريين في الحياة السياسية "إلى حد ما".
المصدر : الجزيرة