المنطقة الآمنة.. أي سيناريوهات أمام تركيا لمواجهة "مماطلة" أميركا؟

آليات تركية في منبج (الأناضول-أرشيف)
آليات تركية في منبج (الأناضول-أرشيف)

عدنان الحسين-شمال سوريا

قال مراقبون إن أنقرة تتخوف بشدة من "مماطلة" أميركية في تنفيذ الاتفاق المعلن بينها وبين واشنطن بخصوص إنشاء المنطقة الآمنة شمال شرقي سوريا، التي باتت تعرف بمنطقة شرق الفرات، وتسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية المرفوضة من قبل تركيا، إذ تعتبرها الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني مع اختلاف المسميات والأعلام والأشكال.

ويأتي تخوف أنقرة من خلال نقاط كثيرة تبدو غير واضحة؛ أبرزها عمق المنطقة الآمنة، والسلطة التي ستخضع لها، والأهم إخراج الوحدات الكردية (المكون الأبرز لقوات سوريا الديمقراطية) منها، والمدة الزمنية لتنفيذ الاتفاق، خاصة أن اتفاق خارطة الطريق بشأن مدينة منبج لا زال متعثرا بفعل ما يصفه مراقبون بالمماطلة الأميركية في تنفيذه.

وفي السياق، يقول الكاتب والمحلل السوري حسن النيفي إن أنقرة لا تنظر بمزيد من الارتياح أو المصداقية إلى وعود واشنطن، ذلك أن اتفاق الرابع من يونيو/حزيران 2018 بخصوص منبج ظل حبرا على ورق.

ولم يُنفذ من هذا الاتفاق حسب المتحدث إلا الخطوات الرمزية (الدوريات المشتركة على الحدود الفاصلة بين قوات سوريا الديمقراطية ودرع الفرات)، وربما هذا ما دعا وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى الاستمرار في التهديد والتحذير من عدم جدية أميركا في التزامها بتطبيق الاتفاق.

خطة زمنية
ووضعت أنقرة خطة زمنية وعملية تبدأ بشكل تدريجي لتسريع عملية إنشاء المنطقة، وكانت بداية التهديد بالتدخل العسكري المنفرد ضمن ما أسمته "ممر السلام"، على غرار حملتها على قبرص والسيطرة على أجزاء واسعة منها، رغم المعارضة الأوروبية والأميركية، ونشر أجزاء كبيرة من جيشها وتأهبه لبدء العملية؛ وهو ما دفع المسؤولين الأميركيين للتوصل لاتفاق سريع وواضح مع تركيا.

معالم المنطقة الآمنة المفترضة شمالي سوريا (الجزيرة)

وأفادت مصادر للجزيرة نت بأن الاتفاق الذي وقعته أنقرة مع واشنطن يتضمن خمس نقاط رئيسية وفق مدة زمنية لن تتجاوز ستة أشهر: أولاها إنشاء غرفة التنسيق المشترك، وهو ما يتم العمل عليه في ولاية شانلي أورفا (جنوبي تركيا)، ومن ثم تسيير الطائرات المسيرة فوق مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والهدف منها مسح كامل لتمركز قواتها ومقراتها الرئيسية لتسهيل عملية إبعادها لاحقا.

وستكون المرحلة الثانية عبارة عن تسيير دورية عسكرية مؤلفة من قوات تركية برفقة قوات أميركية، وستكون على عمق خمسة كيلومترات كمرحلة أولى، وستكون ممتدة من قرية "بغديك" شرقي مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي وإلى مدينة رأس العين بريف الحسكة، بمسافة طولية تقدر بنحو 150 كيلومترا.

وبعد كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن الوعد الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يكون عمق المنطقة عشرين ميلا (نحو 32 كيلومترا) فمن المقرر أن يكون طريق حلب-الحسكة (رودكو) هو الخط الفاصل لحدود المنطقة الآمنة التي ستتشارك تركيا السيطرة والإشراف عليها مع القوات الأميركية.

خمس قواعد
وتؤكد المصادر أن الخطوة الثالثة والرئيسية هي إنشاء خمس قواعد عسكرية مشتركة (تركية-أميركية) تتموضع الأولى قرب ضريح سليمان شاه (غرب مدينة عين العرب)، في حين تتموضع الثانية بالقرب من عين العرب، والثالثة ضمن قاعدة عسكرية أميركية بين مدينتي تل أبيض وعرين العرب، تعرف باسم قاعدة "خراب عشق".

عناصر من قوات سوريا الديمقراطية (الجزيرة)

وستكون النقطة الرابعة بمحيط مدينة تل أبيض بريف الرقة، والخامسة بمحيط مدينة رأس العين بريف الحسكة، على أن تنتشر خمس نقاط أخرى ضمن الاتفاق، وستكون تلك النقاط متحركة وفق ما تقتضيه الحاجة على طول المسافة.

وترى أنقرة أن تطبيق اتفاق المنطقة الآمنة من دون تفكيك هيكلية الوحدات الكردية التي تعتمد على قيادات أجنبية من حزب العمال الكردستاني؛ سيحدث مشكلة مستقبلية، لذلك تضع نصب عينيها التغيير الكلي لإدارة مدينة عين العرب، وإخراج السلاح الثقيل والمتوسط منها، وإخراج كافة المطلوبين منها، مما يشكل خطوة مهمة خاصة أن المدينة تعتبر اليوم رمزا للوحدات الكردية وخضوعها لإشراف تركي أميركي يسرع -بطبيعة الحال- تطبيق الاتفاق بمناطق أخرى.

بناء الثقة
من جهته، يؤكد السياسي الكردي السوري علي تمي أن تطبيق بنود الاتفاق بين الطرفين مرتبط بأمور عديدة، أبرزها بناء الثقة بين المدنيين والجانب التركي شرق الفرات، في ظل التجربة التي حصلت في مدينة عفرين، كما أن عدم إشراك المكون الكردي الرافض لقوات سوريا الديمقراطية أساسا في المرحلة القادمة ينذر بفشل هذا الاتفاق حتى لو تم بقوة السلاح.

قوات أميركية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (مواقع التواصل)

وفي تعليقه على هذه البنود، شكك النيفي بصدق الولايات المتحدة الأميركية، معتبرا أن ما حصل في السابع من أغسطس/آب ستتم مباشرة تنفيذه، ولكن لا يوجد اتفاق على الإجراءات التطبيقية، مما سيدفع الطرفين إلى الرجوع للمفاوضات في بداية أي خطوة، الأمر الذي يشير إلى وعورة التطبيق الكامل للاتفاق، وسط أجواء مليئة بالريبة والحذر من كافة الأطراف.

ورغم ذلك كله، تؤكد المصادر مرة أخرى أن الجيش التركي سيبقى متأهبا على طول الحدود؛ تفاديا لأي عوائق تظهر في تنفيذ الاتفاق، وهو ما تمت ترجمته بزيارة وزير الدفاع التركي يوم الجمعة لقيادة الجيش بولاية شانلي أورفا وإعلانه من هناك بدء التوقيت الزمني لتنفيذ المنطقة الآمنة.

وتشير تقارير إعلامية كردية إلى بدء تحركات قيادة قوات سوريا الديمقراطية باتجاه عقد اتفاقية مع النظام السوري وروسيا، وتسليمه مناطق أبرزها في محافظة الحسكة بهدف إفشال الاتفاق التركي الأميركي تحت ذريعة شرعية عودة النظام السوري للمحافظة.

المصدر : الجزيرة