حمدوك في مهمة صعبة.. فصله نظام البشير من وظيفة صغيرة وعاد رئيسا للوزراء

عبد الباقي الظافر-الجزيرة نت
 
سحابة حزن تمددت أمام طالب الدراسات العليا بجامعة مانشستر في أبريل/نيسان 1990، حين تلقى خطابا مكتوبا من وزير الزراعة يفيد بفصل الباحث من الخدمة بذريعة "الصالح العام".
 
لا ينهي الخطاب المذكور آمال حمدوك مع مناهضة حياة الفقر فحسب، بل يعني أيضا فقدان وظيفته في حكومة السودان وإنهاء بعثته الجامعية، لكن تدور الأيام دورتها ويتجاوز عبد الله حمدوك المطب الأول، كما أن الحكومة ذاتها التي شردته جاءت تبحث عن مساندته عبر تعيينه وزيرا للمالية في آخر حكومات الرئيس المعزول عمر البشير.
 
لم يرفض المنصب من حيث المبدأ استنادا إلى مرارات الماضي البغيض، بل كتب رسالة لطيفة يعتذر فيها بسبب تضاؤل فرص النجاح، ويعد أن يكون في خدمة بلده متى تيسرت الظروف. بعد أقل من عامين تبحث الأمة السودانية بعد ثورة ديسمبر/كانون الأول عن "القوي الأمين"، فتجد ضالتها في حمدوك الذي طرد من الخدمة العامة ذات يوم.
 
مرابع الصبا والتفوق

ولد الصبي يتيما حيث فارق والده الحياة قبل أن تقر عيناه بالطفل عبد الله، ذاق مرارة الفقر وعاش تفاصيل نضال الأم حينما تتولى مهام إعالة أسرة في بادية بعيدة عن الحضر.

وتزامن ميلاد عبد الله حمدوك مع ميلاد السودان الجديد في عام 1956 في منطقة الدبيبات بجنوب كردفان، وهي المنطقة التي حبتها الطبيعة بكل الخيرات، فيما أدت سياسات نظام البشير إلى تجريدها من كثير من الطيبات، بعد أن تحولت إلى مسرح لحرب أهلية.

وبما أن التعليم يمثل الوسيلة الأمثل للانعتاق من الفقر، فقد شق الفتى حمدوك طريقه لمدينة الدلنج حيث أكمل دراسته المتوسطة، وشرع في الالتحاق بمعهد التربية في المدينة ذاتها، ليتخرج معلما لكنه عدل عن رأيه ومضى إلى مدرسة خور طقت العريقة فأكمل فيها الدراسة الثانوية.

وفي هذه المدرسة داعبت ذهن الفتى أفكار السياسة وصراعات اليسار واليمين، وكان الخبر السار حينما أعلن راديو أم درمان اسمه ضمن الطلاب المقبولين بجامعة الخرطوم في عام 1975، حيث درس الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة ثم تخرج بمرتبة الشرف في عام 1981.

وفي الجامعة بدأ الفتى حمدوك الانخراط فعليا في الحراك السياسي الأيديولوجي المحتدم حينها في الساحات الطلابية، حيث كان محسوبا على تيار الحزب الشيوعي إلا أنه لم يكن قياديا بارزا بسبب انشغاله بالدراسة والتحصيل الأكاديمي واهتمامه بالثقافة والتواصل مع الآخر، وذلك حسب إفادة زميله أحمد أبكر محمد.

من الخرطوم إلى بريطانيا
بعد التخرج عمل حمدوك في عدد من المناصب الحكومية، حيث بدأ حياته العملية في مدينة كادقلي بجنوب كردفان بمؤسسة جبال النوبة الزراعية، ثم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، ولكن وضع حمدوك القلم وغادر الخرطوم في 1987 ميمنا وجهه شطر بريطانيا في رحلة البحث عن العلم عبر بعثة حكومية.

اختار حمدوك جامعة مانشستر البريطانية لمحطته الأولى خارج الوطن، حيث درس الماجستير، وبعد عامين حصل على شهادة الدكتوراه (1993) من الجامعة ذاتها، وفي تخصص يضمن له اقترابا أكثر من قضايا الاقتصاد وهموم التنمية.

وفي أثناء ذلك أكمل حمدوك "النصف الحلو من حياته"، وتزوج من زميلته الباحثة منى محمد عبد الله وهو الآن أب لشبابين هما علي وعمرو.

وفي عام 1990 استقبل حمدوك خطابا من حكومة السودان يفيد بفصله من الخدمة العامة ضمن قوائم "الصالح العام"، وفق ما ذكر للجزيرة نت في رسالة مقتضبة، ولكنه أكمل دراسته عبر منحة وفرتها الجامعة للنابغين.

وحينما استعصت عليه العودة للسودان لإنجاز البحث الحقلي (الميداني)، اختار زيمبابوي باعتبارها بلدا يشابه ظروف السودان، ومن زيمبابوي بدأت علاقة رجل السودان الجديد بأفريقيا.

وفي هذه المرحلة وبالذات في عام 1991 -والتي تزامنت مع غروب شمس الشيوعية في روسيا- أعلن حمدوك فراقا بإحسان مع الحزب الشيوعي، حسب أحد أصدقائه المقربين.

أكثر من مهمة في أفريقيا
بينما كان أقران عبد الله حمدوك يتوجهون نحو دول الخليج حيث تتوفر رواتب عالية، وظروف عيش مريحة، اختار حمدوك الاغتراب في مجاهل أفريقيا، فعمل في إحدى مؤسسات القطاع الخاص ذات السمة العالمية والمختصة في المراجعة والتدقيق في زيمبابوي وذلك في عام 1993.

لم يمكث حمدوك كثيرا في عمله الأول حتى التحق 1995 بمنظمة العمل الدولية في مكاتب هراري، ثم بعد ذلك عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.. كل تلك المحطات والنقلات السريعة كانت في العاصمة هراري.

ثم عبر حمدوك لاحقا إلى ساحل العاج وهناك عمل في بنك التنمية الأفريقي لخمس سنوات ابتداء من عام 1997، وفي عام 2001 عاد الرجل مرة أخرى لخدمة الأمم المتحدة عبر اللجنة الاقتصادية لقارة أفريقيا، قبل أن يغادرها في عام 2003 إلى جنوب أفريقيا مديرا إقليميا لمعهد الديمقراطية والمساعدات الانتخابية، وغطى مجال عمله منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بما فيها وطنه الأم السودان.

وخلال تلك الفترة قدم العديد من المساعدات الفنية لقادة الأحزاب والفاعلين في المسرح السوداني عقب توقيع اتفاق السلام الشامل في عام 2005، قبل أن يختم مشواره الوظيفي في إثيوبيا، حيث التحق في عام 2008 بخدمة الأمم المتحدة عبر اللجنة الاقتصادية لأفريقيا من مقرها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا حتى تقاعده عن العمل بها في عام 2018.

الديمقراطية والحكم الرشيد
في أديس أبابا ارتبط حمدوك بعلاقة خاصة مع رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، أحد أبرز رجالات أفريقيا خلال العقود المنصرمة، وكانت لمساته واضحة في نهضة إثيوبيا، واستمر حمدوك في الإقامة بأرض المرتفعات موظفا رفيعا بالأمم المتحدة.

وخلال تلك الفترة تنوعت خبرات حمدوك، حيث أدار شعبة الحكم الرشيد والتنمية، ثم بات نائبا للأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لقارة أفريقيا بالأمم المتحدة، ثم تولى المنصب ذاته بالوكالة حتى تركه وهو في قمة العطاء.

استراحة محارب
تقاعد عبد الله حمدوك في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وقبل أن يجلس على كرسي القماش ويشرع في كتابة مذكراته جاءه عرض من حكومة السودان ليصبح خازن مال حكومة الإنقاذ.

وحسب مصادر فإن الرئيس المعزول عمر البشير اكتشف هذا الوجه السوداني في إحدى زياراته لإثيوبيا، لكن حمدوك اعتذر عن قبول العرض الوزاري، ولم يطل انتظاره طويلا حتى جاءه عرض آخر من بنك التجارة والتنمية الأفريقي، فأصبح مستشارا له منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2018 وهو الموقع الذي ما زال يعمل فيه.

ولم يكتف حمدوك بالانشغال بيوميات العمل التنفيذي، حيث نشط في عدد من المنظمات الطوعية، فمنذ سنوات يتمتع حمدوك بعضوية مؤسسة الحكم الرشيد التي أسسها السوداني البريطاني محمد إبراهيم المعروف بـ"مستر مو" في بريطانيا والتي خصصت جائزة معتبرة لأفضل رؤساء أفريقيا تقيدا بالحكم الرشيد، كما ينشط حمدوك في التحالف الأفريقي من أجل التنمية، وهى منظومة تجمع عددا من زعماء أفريقيا أبرزهم الرئيس النيجيري السابق أوباسانغو.

وفضلا عن ذلك يعتبر أحد أعمدة منظمة مكافحة التدفقات المالية غير الشرعية في قارة أفريقيا وآلية مراجعة النظراء التي تتبع للاتحاد الأفريقي وتهتم بترسيخ الحكم الرشيد في أفريقيا.

المهمة الأصعب
اقترب حمدوك من أصعب مهمة في تاريخه، بعد أن تم ترشيحه لتولي مهمة منصب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية التي من المتوقع إعلانها قريبا.

ورغم أن الاختيار لم يكن سهلا، فقد نافسه عدد من الشخصيات السودانية ذات الإسهام الوافر في الشأن السوداني، لكن خبرة الرجل الدولية رجحت كفته إلى جانب عدم انتظامه حاليا في أي حزب سياسي، وفقا لما قال مصدر مطلع للجزيرة نت.

ويبدو الدكتور آدم بريمة مدير الاقتصاد الكلي باللجنة الاقتصادية لأفريقيا الذي زامل حمدوك منذ فترة وجوده بجامعة مانشستر متفائلا بقدرة الرجل على اجتياز الامتحان الأصعب.

ويصف بريمة زميله بأنه حاد الذكاء ويتمتع بكفاءات متنوعة، وخبرة واسعة، إلى جانب مهارات عالية في التعامل مع المواقف الصعبة والمعقدة.

بيد أن مصدرا طلب حجب اسمه، يرى أن حمدوك ليس رجل المرحلة حيث يميل للتسويات ولا يتخذ قرارات حاسمة، وعلى المسار ذاته مضي قيادي بارز في قوى إعلان الحرية والتغيير فضل حجب اسمه حيث وصف حمدوك بأنه مجرد "أفندي" دولي.

وأوضح القيادي أن الواقع السياسي المعقد يحتاج إلى رئيس وزراء سياسي بالدرجة الأولى، فيما يخشى عليه الباحث السوداني الدكتور صلاح البندر من عقدة الموظفين الدوليين الذين يجهلون الواقع الوطني ويغرقون في "شبر موية" (ماء)، على حد تعبيره.

 

ودلل البندر بتجارب محمد البرادعي في مصر وكوفي عنان في غانا وكامل إدريس في السودان، لكن محمد الأسباط الصحفي السوداني والمتحدث باسم تجمع المهنيين في فرنسا يبدو أكثر تفاؤلا حينما يضع قضايا السلام والأزمة الاقتصادية وتصفية الدولة العميقة باعتبارها أبرز التحديات التي تواجه عبد الله حمدوك.

ومن جانبه، يصف الصحفي السوداني يوسف عبد المنان، حمدوك بأنه صاحب علاقات واسعة في المحيط الأفريقي ويحظى بثقة الغربيين.

الراية الحمراء تطارد حمدوك
رغم أن حمدوك حسب أحد أصدقائه المقربين قد فارق الحزب الشيوعي في عام 1991، فإن التاريخ ليس سوى الأب الشرعي للحاضر.

ولذلك يعتبره الصحفي يوسف عبد المنان شيوعيا من حيث الالتزام رغم حماسه لنجاحه، ولكنه يؤكد مع ذلك أنه منفتح في علاقاته.

وعلى هذا النحو يشير الباحث السوداني صلاح البندر إلى أن ارتباط حمدوك التنظيمي ربما يعتبر واحدة من المشاكل التي ستواجهه في حالة توليه المنصب التنفيذي الأول.

صديق الرؤساء.. هل يصبح رئيسا؟
يتمتع حمدوك بعلاقات واسعة ومتنوعة حيث يعتبر أحد نجوم المجتمع الأفريقي والدولي في أديس أبابا، كما ارتبط بعلاقات صداقة مع عدد من الرؤساء الأفارقة مثل رئيس جنوب أفريقيا الأسبق ثامبو امبيكي ورئيس وزراء إثيوبيا الراحل ملس زيناوي والرئيس النيجيري الأسبق أوباسانغو، كما كان الرئيس السوداني المعزول عمر البشير من أشد المعجبين بنجاحاته.

في الصمت كلام
ورغم انتظام المناوشات في الهجوم على الدكتور عبد الله حمدوك فإن الرجل التزم الصمت، حيث اتهمه البعض بأنه يخفي خلفيته -خريجا في كلية الزراعة- ليوحي للناس بأنه خبير اقتصادي.

ورغم أن حمدوك يمتلك جنسية أخرى هي الجنسية الكندية وفق أحد مقربيه، فإنه لم يعلن الأمر، وربما لن تكون الجنسية المزدوجة عائقا تحول دون وصول حمدوك لرئاسة الوزارة بعد أن منحت الوثيقة الدستورية بعض الاستثناءات في هذا الصدد.

في صمت حمدوك ما يبرره، فقد أكد بريمة -وهو أحد زملاء حمدوك وأصدقائه المقربين- للجزيرة نت أن حمدوك قرر ألا يتكلم على الإطلاق بل إنه جمد حسابه في فيسبوك.

يبدو أن حمدوك تعلّم من خلال اقتناصه لعدد من المناصب الدولية أن في الصمت كلاما، وأن كثيرا من الصفقات السياسية تحتاج هدوءا، كما تحتاج في الوقت نفسه ابتسامة قلّ أن تفارق الرجل، وظلت منطبعة على محياه في كل المنعطفات.

المصدر : الجزيرة