12 عاما من الحصار.. التسمم بالرصاص يفترس أطفال غزة

رائد موسى-غزة

دفع استمرار أزمة انقطاع الكهرباء المستمرة في قطاع غزة على مدى 12 عاما من الحصار الإسرائيلي الكثير من سكان القطاع للاعتماد على البطاريات للحصول على طاقة كهربائية منزلية لأغراض الإضاءة، لكن ذلك تسبب في إصابة أكثر من ربع أطفال القطاع بـ "تسمم الرصاص" الذي يتركز في دمائهم.

وبحسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء فإن الأطفال دون سن 18 يشكلون حوالي 48% من إجمالي سكان القطاع، من بينهم أكثر من 295 ألفا دون الرابعة من العمر.

وتبلغ احتياجات القطاع اليومية نحو خمسمئة ميغاوات من الكهرباء، يتوفر منها نحو نصف الكمية، وتتكفل دولة قطر منذ شهور بتمويل الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع لتخفيف حدة الأزمة.

وبينما يستغل القادرون الطاقة الشمسية للتغلب على أزمة انقطاع الكهرباء يستخدم غالبية السكان البطاريات والمولدات الصغيرة، كما ازدهرت خلال سنوات الحصار صناعة البطاريات وإعادة تدويرها لتلبية زيادة الطلب عليها.

وفي المقابل جاء الكشف الخطير عن تسمم حوالي 10 إلى 15% من أطفال القطاع بالرصاص، وتشكل ستة مصانع بطاريات في غزة أحد أهم أسبابه، إضافة إلى مخلفات الحروب الإسرائيلية.

 ياسين: تركيز الرصاص بالدم يؤثر سلبا على القدرات العقلية (الجزيرة)

كثر المرضى وقل العلاج
وحول الآثار الصحية لاستخدام تلك البطاريات، أظهرت نتائج بحث -أجراه باحثون من معهد أبحاث حماية البيئة في غزة بالتعاون مع جامعة هارفارد الأميركية على عينة تشمل 1705 أطفال تتراوح أعمارهم من عامين إلى ستة أعوام- أن 25.8% منهم يعانون من تركيز عال وخطير للرصاص بدمائهم.

وحول مصادر التلوث بالرصاص، قال رئيس وحدة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية في غزة ماجد ياسين، وهو أحد المشاركين في البحث، إنها تتمثل في مصانع البطاريات التي تستخدم إذابة الرصاص، ومعدات الصيد التي يدخل الرصاص في صناعتها، واللعب في مخلفات الحروب والاعتداءات الإسرائيلي من القذائف والصواريخ.

من جهته يوضح المحاضر في كلية العلوم بالجامعة الإسلامية ياسر النحال -وهو أحد أعضاء فريق البحث- أن إصابة الأطفال بتسمم الرصاص "تتركز بدرجة كبيرة في المناطق السكنية القريبة من مصانع البطاريات، كما تحدث نتيجة اللعب في الرمال أو العبث بالبطاريات، أو بلع مواد ملوثة واستنشاق الغبار، حيث يتفاعل حمض الهيدروكلوريك مع الرصاص في المعدة ومن ثم ينتقل للدم".

ونبه النحال إلى أن التركيز العالي للرصاص في الدم "يؤثر سلبا على نسبة الذكاء والقدرة العقلية على التحصيل العلمي، ويؤدي إلى الضعف الجسماني، وفقر الدم في مراحل متقدمة".

وأوضح أن فحص نسبة الرصاص في دماء الأطفال يتم بطريقتين: كيميائية عبر فحص عينة دم للحصول على نتائج كميّة، وفيزيائية باستخدام الأشعة للحصول على قراءة وصفية لمدى تركيز الرصاص في الدم.

وحول العلاج من تسمم الرصاص، قال د. ياسين "هناك علاج متوفر في غزة، لكنه ليس العلاج الأمثل، حيث إن علاج مثل هذه الحالات مرتفع الثمن وغير متوفر".

وينوي ياسين برفقة عدد من الباحثين إجراء دراسة علمية مماثلة للوقوف على خطورة الحالة في الوقت الحالي، متوقعاً أن نسبة إصابة الأطفال بتسمم الرصاص قد ارتفعت خلال السنوات الثلاث الماضية.

أهالي غزة يلجؤون إلى وسائل إنارة بدائية بعد أن أصبح التيار الكهربائي نادرا (رويترز)

اضطرار
هذه النتائج دفعت أم رائف للبحث عن حلول بديلة عن البطاريات للحصول على الكهرباء في منزلها، بعد الكشف عن مخاطر البطاريات على صحة الأطفال.

وتستخدم المواطنة، وهي معلمة وتعيل خمسة أطفال بغزة، البطاريات منذ سبعة أعوام لتوليد الكهرباء اللازمة لإنارة منزلها المتواضع في خان يونس جنوب القطاع، باستخدام جهاز "يو بي أس" يحول شحنة البطارية إلى طاقة كهربائية بسيطة.

وقالت أم رائف للجزيرة نت إنها كانت تستخدم مولدا كهربائيا يعمل بالوقود للحصول على الكهرباء، واستغنت عنه، ولجأت إلى البطاريات بسبب ارتفاع كلفة الوقود شهريا، الأمر الذي أثقل كاهلها خصوصاً في ظل أزمة الرواتب.

وتواصلت الجزيرة نت مع عدد من أصحاب مصانع البطاريات لكنهم رفضوا الحديث أو التعقيب على نتائج البحث، غير أن أحدهم أقر بأن وجود هذه المصانع في محيط المناطق السكنية يسبب مشكلات صحية وبيئية، لكنه في الوقت نفسه يبرر ذلك بأن قطاع غزة منطقة صغيرة جغرافيا ومكتظة بالسكان ولا تتوفر فيها مناطق صناعية بعيدة عن التجمعات السكانية.

المصدر : الجزيرة