عـاجـل: مراسل الجزيرة: إصابات في انفجار سيارة مفخخة بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا

الإعلام الرسمي بالسودان.. صعوبات ضبط الإيقاع

سودانيون يتظاهرون أمام وكالة السودان للأنباء للمطالبة بتناغم الإعلام مع الثورة (وسائل التواصل)
سودانيون يتظاهرون أمام وكالة السودان للأنباء للمطالبة بتناغم الإعلام مع الثورة (وسائل التواصل)
الجزيرة نت-خاص
 

بعد الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير سيجد العاملون في أجهزة الإعلام الرسمي بالسودان أنفسهم للمرة الثالثة أمام خيار تغيير السياسات التحريرية من النقيض إلى النقيض في غضون ثلاثة أشهر.

وعانى العاملون في أجهزة الإعلام الحكومية لنحو ثلاثة عقود من القيود التي فرضها نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وفرض الإعلام الرسمي تعتيما كاملا على أشهر من المظاهرات قبل الإطاحة بالبشير، بما في ذلك عدم ذكر مقتل العشرات على أيدي قوات الأمن، مما أثار غضب المحتجين بشدة.

وعقب الإطاحة بالنظام السابق بدأ تلفزيون السودان القومي والإذاعة القومية ووكالة السودان للأنباء وقنوات أخرى شبه حكومية أكثر انفتاحا، لكن تغطيتها لصالح الزخم الثوري بدأت في التراجع بعد تصاعد الصراع بين قوى التغيير والمجلس العسكري بحسب إعلاميين، وبعد التوصل لاتفاق بين العسكر والمدنيين قبل يومين بدأت هذه الأجهزة في الزحف نحو مربع الاحتفاء بالثورة مرة أخرى.

لكن المؤكد -بحسب متابعين- أن الحكومة الانتقالية المرتقبة ستجري تغييرات جذرية في هذه المؤسسات على مستوى مديريها وبرامجها التي قوبلت بغضب من النشطاء في منصات التواصل بعد فض الاعتصام أمام قيادة الجيش في الثالث من يونيو/حزيران الماضي.

وتعرض السودانيون للصدمة والتلفزيون القومي يعرض بعيد فض الاعتصام أمام قيادة الجيش، فيلما وثائقيا باسم "خفافيش الظلام" اعتبروه "طعنة نجلاء لثورتهم التي مهروها بالدماء".

شكوى المعارضة
ويقول القيادي في قوى الثورة جعفر حسن للجزيرة نت إن قوى الحرية والتغيير التي تبنت الاحتجاجات والاعتصام أمام قيادة الجيش تعتزم فتح بلاغ في التلفزيون بسبب فيلم "خفافيش الظلام".

والفيلم الذي لم يتورع في عرض ملابس داخلية لنساء كن في الاعتصام، زاعما أنهن دنسن مسجدا مطلا على ميدان الاعتصام وصوّر المعتصمين مخربين وماجنين، تم إعداده خارج أسوار القنوات التي تورطت في بثه.

وجاءت ملابسات عرض الفيلم في تلفزيون السودان بعد أن اضطر المجلس العسكري لإقالة مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون جمال مصطفى رغم أن تعيينه كان من المجلس ذاته قبل شهر.

وبحسب صحفي في الإدارة السياسية فإن المدير الجديد للهيئة إسماعيل عيساوي مرر وسط  إضراب غير معلن للعاملين احتجاجا على فض الاعتصام بث "خفافيش الظلام" باعتباره فيلما وثائقيا.

غرف مظلمة
ومن المفارقات أن إعلاميين محسوبين على النظام السابق ساعدوا في إعداد وثائقي "خفافيش الظلام" وإنتاجه، فضلا عن مواد أخرى مشابهة، بحسب المصدر.

وفي وقت لاحق من الشهر الماضي حمل ضباط من قوات الدعم السريع التي يقودها الفريق أول محمد حمدان حميدتي، إلى قناة الشروق فيلما زعم أن سفراء الاتحاد الأوروبي تدخلوا بدعم الثوار.

وبحسب أحد العاملين في القناة للجزيرة نت فإن مسؤولي القناة لم يمتثلوا لضغوط مارسها الضباط لبث المادة بحجة أنها مسيئة لبعثات دبلوماسية ولقادة سياسيين تم إظهارهم عملاء.

لكن بعد أيام بث التلفزيون القومي المادة التي استفادت من صور كانت متاحة على منصات التواصل الاجتماعي لسفراء غربيين في ميدان الاعتصام، وهو ما حظي بانتقادات واسعة بين نشطاء منصات التواصل الاجتماعي. 

وبثت القنوات السودانية مواد إخبارية مصورة حملت الثوار مسؤولية أعمال تخريبية لحقت بجامعة الخرطوم وكلية الأشعة التابعة لجامعة السودان، المطلتين على ساحة الاعتصام.

مواد مستوردة
ولئن تورطت جهات داخلية في إنتاج مواد تلفزيونية مسيئة للثورة، فإن الأمر وصل إلى استجلاب أفلام وثائقية من الخارج خاصة من مصر.

وطبقا لمعلومات حصلت عليها الجزيرة نت، فإن رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان لدى عودته من زيارة للقاهرة في أواخر مايو/أيار الماضي كان مرافقوه محملين بفيلم أنتجه المصريون وحوى إفادات لشخصيات مصرية وسودانية وصورا تاريخية من وكالة الصحافة الفرنسية عن ثورة 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964 وانتفاضة 6 أبريل/نيسان 1985 في السودان.

ويروي الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الشروق والتلفزيون القومي كيف أن المجالس السيادية بعد ثورتي أكتوبر وأبريل كان على رأسها عسكريون، في محاولة لترسيخ أحقية العسكر بالمجلس السيادي الذي كان مختلفا حوله.

ودعمت كل من مصر والسعودية والإمارات وجود العسكر وسيطرتهم خلال الفترة الانتقالية.

صورة أفضل
وعلى مستوى القنوات الخاصة لم تظهر على شاشات قناتي الهلال وسودانية 24 مواد تلفزيونية مثل تلك التي بثتها الفضائيات العامة.

ويقول منتصر النور المدير المكلف في قناة سودانية 24 "محطة تلفزيونية خاصة" للجزيرة نت إن قناته لم تتلق أي توجيهات من المجلس العسكري بحظر أو بث مواد بعينها سوى إبداء بعض الملاحظات التي لم تؤثر حتى الآن بالخارطة البرامجية أو الاستضافات.

بيد أن القنوات العامة تقع تحت ضغوط مباشرة من المجلس العسكري، ما يهدد العاملين المؤيدين للثورة بفقدان وظائفهم، كما يقول الصحفي بالإدارة السياسية بالتلفزيون.

وأجرى مدير الهيئة العامة للتلفزيون إسماعيل عيساوي إعادة هيكلة استهدفت بشكل أساسي العناصر التي أظهرت تأييدا للثورة عقب الإطاحة بالبشير، وفق المصدر.

وبحسب منتجة برامج في تلفزيون السودان للجزيرة نت فإن الإدارة الجديدة ذهبت بها في عطلة طويلة لتأييدها الثورة، كما أن المخرج المخضرم محمد مصطفى كردش وزميله لؤي حامد تم نقلهما إلى قناة الدراما لمشاركتهما وبثهما أنشطة الاعتصام.

تقرير سري
وطبقا لتقرير أصدره منتمون لتجمع المهنيين في التلفزيون القومي فإن عيساوي بدأ حقبته بمهاجمة الثورة والثوار وقوى الحرية والتغيير ببث أفلام مسيئة مثل "خفافيش الظلام، الخرطوم تنتحب والربيع السوداني".

ويشير التقرير الذي اطلعت عليه الجزيرة نت وحوى تصنيفا لانتماءات العاملين في التلفزيون، إلى أن التلفزيون القومي تسيطر عليه الآن قوات الدعم السريع وضباط من الجيش.

في المقابل، لم يخفِ المجلس العسكري استياءه من أداء الإعلام والصحافة فيما يبدو مبررا للإجراءات التي اتخذت بالتضييق وقطع الإنترنت.

وقال نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان حميدتي أمام حشد بالخرطوم إن الإعلام لا ينقل تصريحاتهم بدقة بل يحرفها عن قصد، مستدلا بأن إحدى الصحف كتبت أن 30 ألف جندي سوداني باليمن يعملون من أجل مصلحة حميدتي والبرهان.

ويأمل العاملون بأجهزة الإعلام السودانية -بعد توصل العسكر وقوى الحرية والتغيير إلى اتفاق حول انتقال السلطة- في تسرب الحرية إلى هذه الأجهزة التي ما انفكت تعاني من أغلال السلطة، كما يقولون.

المصدر : الجزيرة