بعد تقرير فض الاعتصام.. هل أصبحت العدالة الانتقالية بالسودان مستحيلة؟

تقرير فض الاعتصام أثار غضبا شعبيا رافضا لما جاء فيه (رويترز)
تقرير فض الاعتصام أثار غضبا شعبيا رافضا لما جاء فيه (رويترز)

الجزيرة نت-الخرطوم

لم يأتِ تقرير لجنة فض اعتصام القيادة العامة للجيش في الخرطوم ملبيا لتطلعات وتوقعات قوى إعلان الحرية والتغيير، فجاءت المظاهرات الرافضة لفحواه، لدرجة أن بعض نشطاء الثورة دعوا إلى وقف التفاوض بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية ما لم يوقف العنف ويقدم المتورطون في مجزرة فض الاعتصام للعدالة.

ومثلما فجر التقرير غضب الشارع اتخذت لجنة أسر شهداء ثورة ديسمبر موقفا متشددا يطالب بـ"العدالة أولا"، ففي اجتماعها الأخير تعهدت اللجنة بتكملة الإجراءات القانونية بالتعاون مع لجنة تحالف المحامين من أجل القصاص لشهداء الثورة البالغ عددهم 247، بحسب إفادة عضو لجنة أسر الشهداء كشة عبد السلام.

ويقول كشة للجزيرة نت إن اللجنة تعد العدة لعقد اجتماع جمعية عمومية لكل أسر الشهداء عقب عيد الأضحى، وجدد رفض اللجنة لأي ترضيات أو مساومة قائلا إنهم رفضوا منح للحج تقدمت بها السعودية لأسر الشهداء.

هذه التطورات تطرح تساؤلات جادة بشأن فرص تحقق عدالة انتقالية في السودان، وهو ما يعتبره الدكتور نبيل أديب أحد أبرز المترافعين عن قوى الثورة أمام المحاكم "مسألة ضرورية لمنع تصدع الدولة".

اعتراف مطلوب
ويقول الصحفي والناشط السياسي قرشي عوض إن هذا النمط من معالجات الأزمة يشترط اعتراف الجاني بجريمته في حق الضحية، و"هذا ما لم يتوافر في تقرير لجنة التحقيق الذي تعجل بإعلانه المجلس العسكري متناسيا اتفاقه مع قوى التغيير بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في أحداث فض الاعتصام بعد تشكيل الحكومة الجديدة".

ويذكر عوض أن العدالة الانتقالية هي أحد أساليب معالجة الصراعات، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هناك جوانب من الأزمة السودانية لا تحتمل "الجودية"، وهي عرف للتصالح في مجتمع السودان، مشيرا إلى أن "التسوية ممكنة بعد اعتراف الجناة بجرائمهم، وبعد قبول المتضررين وذويهم بمبدأ جبر الضرر وإنصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم، وإلا فإن التغاضي عن محاسبة الجناة وإغفال حقوق الضحايا سيكون بمثابة نثر لبذور حرب قادمة" بحسب رأيه.

ويعتبر عوض أنه لا يمكن تجاوز الجرائم التي مورست عبر أجهزة الدولة "فمثل هذه الجرائم يجب تقديم مقترفيها للعدالة المحلية أو الدولية"، مشيرا إلى أن عنف السلطة في ميدان اعتصام القيادة العامة هو مما لا يصلح التحايل عليه بشعار العدالة الانتقالية، لأن "جريمة فض الاعتصام جريمة جنائية مكتملة الأركان"، مؤكدا أن التحقيق لم يكن شفافا، وبالتالي لا يدفع الضحايا وذويهم نحو فضيلة العفو.


سابق لأوانه
من جانبه، يرى الخبير القانوني في الأمم المتحدة الشيخ حسن فضل الله أن الحديث عن العدالة الانتقالية في السودان بالوقت الحالي سابق لأوانه، لأن النظام السياسي لم يسقط بعد، ولأن "الحقيقة والمصارحة لا تتحقق إلا بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية".

ويضيف أن تقرير فض الاعتصام الذي أعلنت عنه سلطات المجلس العسكري "لم يراعِ الأسس الإجرائية المتبعة، وأغفل الاستعانة بالفيديوهات التي أظهرت وجوه الجناة، وبالتالي فإن التقرير يقلل فرص تطبيب نفوس ضحايا المجزرة وذويهم".

بدوره، شكك القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير كمال بولاد في أهلية المجلس العسكري لإنجاز عدالة انتقالية في هذه المرحلة، معتبرا أن المجلس بتركيبته الحالية "لا يستطيع توفير مناخ للتصالح، لكونه متهما بقتل المتظاهرين، كما أنه غير مؤهل لرد المظالم".

ويصف بولاد أن تقرير فض الاعتصام "مضى في سياق الخطاب التبريري، وحاول إظهار مجزرة القيادة العامة وكأنها جاءت بمحض الصدفة"، مما يتطلب تشكيل لجنة فنية تكون مقبولة لأسر الشهداء والجرحى يعهد إليها بتحقيق يكون مدخلا لتطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية.

أخف الأضرار
أما الخبير الأمني اللواء متقاعد معتز عتباني فيقول للجزيرة نت إن القانون واللوائح التي تصدر عنه لا تعترف بالانتقام كسبيل لإحقاق الحق، وإن الهدف من مؤسسات القانون هو إنصاف الضحايا، سواء بالمحاسبة أو التعويض أو بدفع الدية.

ويعتبر عتباني أن المفاضلة واجبة بين أخف الأضرار، كما أن على للدولة معالجة ما يستعصي أمام الفرقاء بدفع ديات لأسر الضحايا وتحمل علاج المصابين وغير ذلك مما يجبر الضرر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة