تقرير فض اعتصام الخرطوم.. المعارضة ترفض وتتمسك بلجنة مستقلة

تقرير لجنة التحقيق لم يقنع الشارع السوداني فخرج متظاهرا ضده (رويترز)
تقرير لجنة التحقيق لم يقنع الشارع السوداني فخرج متظاهرا ضده (رويترز)

الجزيرة نت-خاص

تعدى الرفض لتقرير لجنة التحقيق التي شكلها مكتب النائب العام حول الانتهاكات التي صاحبت فض الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم، الأطراف السياسية إلى الشارع الذي عاد للمتاريس وحرق الإطارات أمس السبت.

ولم تشف ملامح التقرير التي قدمها رئيس لجنة التحقيق فتح الرحمن سعيد نهم الصحافة لمعرفة الضباط المتورطين في إصدار الأوامر لفض الاعتصام فجر 23 يونيو/حزيران الماضي.

وعمد رئيس اللجنة إلى تسمية ثمانية ضباط، وضابط صف، أشار إليهم بالحروف الأولى لأسمائهم، مما أشعل موجة من التخمينات في مجالس الخرطوم.

وبحسب التقرير فإن اللواء "أ.س.أ" هو من أمر قوات مكافحة الشغب بإطلاق النار، وهو ما يؤكد تسريبات راجت خلال يوليو/تموز الحالي تفيد بأن اللواء الصادق سيد من قوات الدعم السريع تم اعتقاله على خلفية تورطه في فض الاعتصام.

متظاهرون في الخرطوم ضد تقرير المدعي العام حول فض الاعتصام (رويترز)


لغز الأحرف
وسمى رئيس لجنة التحقيق ضابطين برتبة العميد هما "ع.ع.م" و"م.ص.م" ضمن المتورطين في فض المعتصمين، فضلا عن رائدين أشار إلى أحدهما بأحرف "أ.ع.ع" ورقيب أول "م.م.ع".

ومن ضمن الضباط المتورطين ضابط برتبة مقدم "ح.ب.ع"، وبحسب مصادر عسكرية تحدثت للجزيرة نت فإن الضابط يدعى حمدان بحر ويتبع قوات الدعم السريع.

ووجهت النيابة للعسكريين التسعة اتهاما تحت طائلة المادة 189 من القانون الجنائي "الجرائم ضد الإنسانية"، وتم ضمهم كمتهمين رئيسيين، وطلبت من المجلس العسكري مدها بمحضر التحقيق الذي أجرته لجنة المجلس.

وبحسب عنصر في هيئة الاستخبارات التابعة للجيش فإن ضباطا وجنودا من قوات الدعم السريع وُضعوا قيد الاعتقال على خلفية مشاركتهم في فض الاعتصام، على رأسهم اللواء الصادق سيد.

ويقول المصدر نفسه للجزيرة نت إن سيد كان ضابطا في الجيش قبل انتدابه للعمل ضمن قوات الدعم العسكري، وسبق أن تورط في محاولة فاشلة لفض الاعتصام.

رفض شعبي
وما إن أعلن رئيس اللجنة تقريره حتى سارعت القوى المتحالفة ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير -بما فيها تجمع المهنيين- إلى رفضه جملة وتفصيلا.

وشهدت أحياء بري والعشرة والجريف في الخرطوم وضاحية الثورة وود نوباوي في أم درمان مظاهرات احتجاجية أحرق المحتجون فيها إطارات السيارات وأغلقوا الطرق بالمتاريس، دون أي دعوات من تجمع المهنيين.

وكتب القيادي في الحزب الاتحادي الموحد محمد عصمت يحيى على حسابه في فيسبوك قائلا إن "تقرير لجنة التحقيق مرفوض.. على الشارع إعلان رفضه لهذا التقرير".

وغرد رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير على تويتر قائلا إن "نتائج لجنة التحقيق التي شكلها النائب العام في مجزرة فض الاعتصام تؤكد ضرورة التمسك بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة كما ورد في الاتفاق السياسي".

وتابع في تغريدته أن "إصلاح الأجهزة العدلية في مقدمة مهام الفترة الانتقالية.. المجازر لا تسقط بالتقادم ولا إفلات من المحاسبة".

ونص الاتفاق السياسي الموقع بين المجلس العسكري وقوى التغيير يوم 17 من الشهر الجاري على تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت في فض الاعتصام، وأضافت مسودة الإعلان الدستوري أنه يمكن الاستعانة بخبرات أفريقية.

مصير التقرير
وتحاشى مسؤولون بوزارة العدل التحدث للجزيرة نت عن مدى حجية التقرير الذي صدر هذا الأسبوع في ظل نص الاتفاق السياسي على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول حادثة فض الاعتصام.

وتشكلت اللجنة التي باشرت مهامها أواخر يونيو/حزيران الماضي من رؤساء نيابات للتحقيق في أحداث فض الاعتصام الذي راح ضحيتها أكثر من مئة قتيل بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، و61 قتيلا طبقا لوزارة الصحة.

ويؤكد القيادي في قوى التغيير طارق صديق كانديك أن المجلس العسكري يمكن أن يستأنس بالتقرير الصادر، لكنه قطعا لا يعني قوى التغيير في شيء ولن يصرفها عن المطالبة بلجنة التحقيق المستقلة الواردة في الاتفاق السياسي.

ويقول كانديك للجزيرة نت إن اللجنة المشكلة وفقا للاتفاق يمكن أن تستعين بخبرات من الاتحاد الأفريقي، وستحقق في أحداث 8 و29 رمضان وكافة الجرائم المتعلقة بالحراك الثوري.

في المقابل يرى الخبير القانوني محمد عبد الله ود أبوك أن أي تحفظات على التقرير الصادر تمثل أزمة مع السلطة القضائية، محذرا من الوقوع مرة أخرى في براثن الارتهان والابتزاز كما حدث في قضية الرئيس المعزول عمر البشير مع المحكمة الجنائية الدولية.

حصان طروادة
يقول ود أبوك للجزيرة نت إنه لا داعي للتحقيق مرة أخرى حال اطمأن الناس إليه، كما يمكن الاستئناس به إذا جاء بلا لبس أو غموض أو قدم جزءا من الحقيقة، معتبرا أن تسلم النائب العام التقرير الأحد الماضي أول اختبار حقيقي للقضاء والنيابة بعد الثورة.

لكن مكتب النائب العام عبد الله أحمد عبد الله بدا الأحد الماضي زاهدا في تغطية الصحافة لمراسم تسلم تقرير لجنة التحقيق، بل إن أحد موظفي النيابة أبلغ الصحفيين -على قلتهم- بعدم رغبتهم في وجود الإعلام.

وربما تشرح حالة عدم الحرص هذه أن التقرير أصبح بمثابة المنسوخ بنص وثيقتي الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري على تشكيل لجنة مستقلة.

وبرأ تقرير اللجنة المجلس العسكري من إصدار أوامر بفض الاعتصام بقولها إن الأمر صدر "لتنظيف منطقة كولمبيا".

ويرى مراقبون أن "كولمبيا" المشبوهة المجاورة لساحة الاعتصام كانت بمثابة حصان طروادة الذي استغله العسكر لفض الاعتصام الذي حاصر قيادة الجيش لشهرين.
المصدر : الجزيرة