الراحل الباجي قايد السبسي.. سياسي عريق حملته الثورة والديمقراطية للسلطة

قايد السبسي تولى عدة مناصب في نظامي بورقيبة وبن علي ليُنتخب رئيسا في عهد الثورة (رويترز)
قايد السبسي تولى عدة مناصب في نظامي بورقيبة وبن علي ليُنتخب رئيسا في عهد الثورة (رويترز)

يعد الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي الذي فارق الحياة اليوم الخميس بعد أزمة صحية لم تمهله طويلا، واحدا من أعرق الساسة في تونس وأكثرهم خبرة.

فقد تبوأ على مدى عدة عقود من الزمن مناصب قيادية كبيرة في عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، قبل أن يمكنه النظام الديمقراطي الذي تشكل عقب الثورة من قيادة البلاد عبر انتخابات حرة.

وشخصية ومواقف السبسي الذي توفي عن 92 عاما بعيد نقله مجددا إلى المستشفى العسكري في العاصمة التونسية، محل جدل بين مؤيديه الذين يصفونه برجل الدولة الفذ ووريث بورقيبة الحقيقي، وبين معارضيه الذين يعتبرونه امتدادا لحقبة الاستبداد ورمزا لما يعتبرونها ثورة مضادة.

واحتدم الجدل منذ ظهر السبسي مجددا في الساحة السياسية عقب ثورة 2011، وتجلى ذلك في المواجهة السياسية بينه وبين القوى التي تعتبر نفسها في صف الثورة، وفي النقاشات التي دارت حول العزل السياسي لأركان نظام بن علي، بمن فيهم السبسي، وصولا إلى الخطابات المشحونة التي سادت قبل وخلال انتخابات عام 2014 التي حملته إلى السلطة، ليكون أول رئيس بعد الثورة يُنتخب مباشرة من الشعب.

وكان الرجل منذ انتهاء مهامه على رأس البرلمان مطلع تسعينيات القرن الماضي قد ابتعد قرابة عشرين عاما عن العمل السياسي، وعاد إلى مهنته الأصلية في مجال المحاماة حتى قامت الثورة أواخر العام 2010 وأوائل 2011، ليعود مجددا إلى واجهة الأحداث.

فقد رأس لبضعة أشهر الحكومة المؤقتة حتى انتخابات أكتوبر/تشرين الأول التي فازت بها حركة النهضة وحلفاؤها، ليشكل بعد ذلك حزب "نداء تونس" الذي ضم خليطا غير متجانس من عدة تيارات سياسية مناوئة للإسلاميين. وقد تصدّر هذا الحزب الانتخابات التشريعية.

ورحل قايد السبسي عن هذه الدنيا بينما كانت مسيرته السياسية الطويلة تقترب من نهايتها حيث تنتهي ولايته الرئاسية خلال أشهر.

وكان أعلن مؤخرا أنه لن يسعى للترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني رغم محاولة قياديين مقربين منه -بمن فيهم نجله حافظ- إقناعه بالترشح مجددا للمنصب.

وبدا أن الرئيس اتخذ هذا القرار ليس فقط بسبب تقدمه في السن، وإنما لعوامل موضوعية من أبرزها تفكك حزبه (نداء تونس) الذي أسسه عام 2012 لإحداث توازن سياسي مع حركة النهضة وحلفائها، وظهور جيل جديد من الساسة الطامحين إلى قيادة الدولة، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء يوسف الشاهد.

وقبل ثلاثة أسابيع من الوفاة، باغت مرض هذا السياسي المخضرم الطبقة السياسية والشارع على حد سواء، ودفع الإعلان عن إصابته بوعكة حادة، وانتشار شائعات عن وفاته تبنتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية، نحو نقاش علني حول شغور محتمل لمنصب الرئيس.

وبمقتضى الدستور التونسي، يتولى رئيس البرلمان محمد الناصر رئاسة البلاد مؤقتا لمدة أدناها 45 يوما وأقصاها 90 يوما حتى تنظيم انتخابات رئاسية.

مظاهرة بالعاصمة التونسية تطالب بالمساواة في الميرات (الأناضول)

إرث بورقيبة
كان الباجي قايد السبسي يتبنى ما تسمى "البورقيبية"، ويدافع بشدة عن أفكار بورقيبة وسياساته التي يرى أنه لولاها لما كان هناك مستوى جيد من التعليم، ولم تكن هناك حرية للمرأة بفضل قانون الأحوال المدنية.

ولم تكد تمضي سنوات على استقلال تونس عام 1956، حتى بدأ السبسي يتولى مناصب حساسة في أجهزة الدولة ابتداء من مدير عام للأمن الوطني ووزير للداخلية، وصولا إلى وزير للخارجية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ليكون بذلك أحد الفاعلين الرئيسيين أمنيا ودبلوماسيا في حكومات بورقيبة. 

وبينما يأخذ عليه خصومه أنه كان منخرطا في منظومة استبدادية قامت على حكم الحزب الواحد، وتقديس الفرد، وقمع الحريات العامة والفردية، يجادل الرجل بأنه لم يكن كذلك، بل سعى لإصلاح النظام، ولما لم يتسنّ له ذلك انسحب بداية السبعينيات من الحزب الحاكم حينها (الحزب الاشتراكي الدستوري) ليؤسس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، قبل أن يعود إلى الحكومة مطلع الثمانينيات وسط "انفتاح سياسي" انتهى بانقلاب بن علي على بورقيبة عام 1987.

كما عاب عليه خصومه ما اعتبروه تناقضا في موقفه من بورقيبة، فهو من جهة يعتبره قدوة له، في حين أنه بعد الانقلاب عليه ووضعه في ما يشبه السجن، تجاهله وعمل في ظل نظام بن علي رئيسا للبرلمان لأكثر من عام حتى أكتوبر/تشرين الأول 1991، حيث انسحب مؤقتا من العمل السياسي. 

ولأنه يتبنى مبادئ بورقيبة التي يعتبرها البعض علمانية، فقد سعى السبسي لتكريسها خلال فترة حكمه، ومن ذلك إلغاؤه مرسوما يمنع زواج التونسية المسلمة من غير المسلم، ومبادرته بسن قانون يساوي في الميراث بين الرجل والمرأة، وهي خطوة لم يجرؤ عليها بورقيبة.

لكن هذه الخطوة أثارت انقساما في الشارع وفي الطبقة السياسية، وقوبلت بصد كبير من قوى اجتماعية وأخرى سياسية في مقدمتها حركة النهضة، مما حكم عليها بالفشل بحسب ما أقر به بعض نواب حزب نداء تونس الذين سعوا لتمرير المشروع في البرلمان.

والمهام التي تولاها السبسي في السنوات اللاحقة للاستقلال كانت لها ارتدادات سلبية عليه، فقد جرى تحميله مسؤولية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وقعت حين كان مديرا للأمن ثم وزيرا للداخلية، وقد وردت إشارة إلى تلك الانتهاكات في التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بالعدالة الانتقالية.

لكن الرجل لم يقر يوما بمسؤوليته عن الانتهاكات التي وقعت مطلع ستينيات القرن الماضي، بما فيها التي استهدفت "اليوسفيين" أتباع السياسي صالح بن يوسف الذي اختلف هو وبورقيبة على سبل ضمان استقلال تونس عن فرنسا.

السبسي ونجله حافظ قبيل اجتماع في قصر الرئاسة (رويترز)

الثورة والديمقراطية
بعد الغياب الطويل عن الساحة السياسية، أتاحت الثورة للسبسي قيادة الحكومة المؤقتة لتسعة أشهر حتى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011، كما أتاحت له الوصول إلى هرم السلطة بعد ذلك بثلاث سنوات.

وقد استغل الرجل الاضطرابات الأمنية والسياسية التي وقعت في عهد "الترويكا" خلال عامي 2012 و2013، بما في ذلك اغتيال المعارضيْن شكري بلعيد ومحمد البراهمي على أيدي متطرفين، والهجمات الدامية على قوات الأمن والجيش، ليطرح نفسه بديلا قادرا على "إنقاذ تونس".

ومع أن السبسي قضى جلّ مسيرته السياسية في مناخات خلت تماما من الممارسة الديمقراطية، فإن النظام الديمقراطي الوليد حمله إلى سدة الحكم، ولكن بصلاحيات محدودة في "دستور الجمهورية الثانية" الذي منح رئيس الحكومة صلاحيات أوسع في إطار نظام شبه برلماني.

وسواء قبل انتخابات 2014 أو بعدها، كانت القوى التي وقفت مع الثورة منذ بدايتها تنظر بريبة إلى السبسي، بل إن البعض كان يعتبره رمزا للثورة المضادة، ويخشى أن يطيح بالتجربة الديمقراطية الفتية التي كانت لا تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة.

بيد أن ساكن قرطاج الجديد، وإن كان متشككا في قدرة النظام السياسي الجديد على التقدم بتونس، كان على قناعة بأنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وقد عبر عن ذلك مرارا، مؤكدا حرصه على إنجاح الانتقال الديمقراطي.

ولم يكن هناك ما يدل بوضوح على أنه حاول أن يحرف البلاد عن طريق الديمقراطية، رغم أن بعض المتشككين استدلوا ببعض المؤشرات المقلقة مثل تعبيره عن رغبته في تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات الرئيس.

قدم السبسي مشروع قانون يعفي الأشخاص الضالعين في الفساد زمن حكم الدكتاتورية، وقد أثار المشروع جدلا، وتم تعديله لاحقا ليشمل الموظفين في الدولة المتورطين في قضايا فساد إداري.

وقبل مرضه الأخير الذي تسبب في وفاته، بدا أن السبسي حسم أمره في ما يتعلق بالرئاسة حين أكد أنه لا ينوي الترشح مجددا للمنصب، وأنه يتعين فسح المجال أمام جيل الشباب لقيادة الدولة.

السبسي والغنوشي خلال مؤتمر لحركة النهضة عام 2016 (الأوروبية)

التوافق والتوريث
كان التوافق القاعدة التي حكمت العلاقة بين السبسي وحزبه "نداء تونس" المنتشي بنصره في انتخابات 2014، وبين حركة النهضة التي تراجعت في تلك الانتخابات إلى المرتبة الثانية في البرلمان.

واستمر هذا التوافق سياسة مشتركة بين أكبر حزبين، لكن التصدعات الخطيرة في نداء تونس ستعصف بهذه العلاقة، حيث أعلن السبسي العام الماضي من جانب واحد نهاية التوافق مع النهضة، بينما أكدت الأخيرة أن العلاقة مع الرئيس لا تزال كما هي.

وكان السبب في ذلك الإعلان رفض النهضة -التي باتت الكتلة الأولى في البرلمان عقب تصدع نداء تونس- تغيير رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، في مخالفة لرغبة السبسي ونجله حافظ الذي كان يتزعم أحد أجنحة نداء تونس.

والظاهر أن الرئيس اقتنع بعد ذلك بوجاهة موقف حركة النهضة بعدما عاين بنفسه تفتت نداء تونس.

وخلال الأزمة الطويلة التي مر بها نداء تونس، واجه السبسي اتهامات بالسعي لتوريث ابنه، لكنه نفى ذلك بشدة.

ولعل تلك الأزمة كانت العامل الأساسي الذي جعل وضع الرئيس يبدو -في نهاية ولايته- أضعف بكثير مما كان عليه في أولها، خاصة مع تشكيل منشقين عن نداء تونس بقيادة الشاهد حزبا جديدا تحت مسمى "تحيا تونس".

المصدر : الجزيرة