ميزانية ترامب العسكرية تعيد الحديث عن نفوذ مجمع صناعات السلاح

الميزانية العسكرية الأميركية زادت 100 مليار دولار منذ بداية حكم ترامب (رويترز-أرشيف)
الميزانية العسكرية الأميركية زادت 100 مليار دولار منذ بداية حكم ترامب (رويترز-أرشيف)

محمد المنشاوي-واشنطن

بعد فترتي حكم امتدتا من عام 1953 إلى 1961، حذر الرئيس الأميركي داويت إيزنهاور في خطابه الوداعي من "النفوذ الذي لا مبرر له، سواء كان بطلب أو بغير طلب من المجمع الصناعي العسكري"، وقصد بذلك التحالف بين المؤسسة العسكرية الضخمة ممثلة في وزارة الدفاع (البنتاغون) وبين كبريات شركات الصناعات العسكرية.

ويتمتع هذا التحالف بنفوذ واسع على الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وخلال الأسبوع الماضي مرر مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون تشريعا يتعلق بميزانية الدفاع لعام 2020 قيمتها 733 مليار دولار، وذلك بأغلبية 220 صوتا مقابل 197، حيث تعد الميزانية العسكرية إحدى القضايا النادرة التي يتنافس فيها الحزبان على إرضاء البنتاغون.

وعارض قطاع عريض من الجمهوريين التشريع، حيث كانوا يطالبون بزيادة أكبر لمخصصات وزارة الدفاع لتصل إلى 750 مليار دولار.

وهذا العام، ظهر خلاف بسيط تعلق برفض الديمقراطيين تخصيص 17 مليار دولار طلبها الرئيس دونالد ترامب لبناء الجدار الفاصل عند الحدود مع المكسيك، ولتمويل مشاركة الجيش في عمليات احتجاز المهاجرين.

ويشهد النقاش السنوي بشأن ميزانية الدفاع الأميركية تنافسا على زيادة المخصصات، وذلك في الوقت الذي يتنافس فيه الديمقراطيون والجمهوريون على خفض معدلات الإنفاق في مختلف الوزارات والبرامج الحكومية من أجل تخفيض عجز الموازنة.

وكانت الميزانية الفدرالية الأولى لعام 2018 قد شهدت زيادة مقدارها 54 مليار دولار (10%) في مخصصات وزارة الدفاع مقابل خفض 28% من ميزانية وزارة الخارجية.

وعقب إقرار الميزانية، غرد الرئيس دونالد ترامب قائلا "وقعت الميزانية العسكرية، جيشنا الآن هو الأقوى في التاريخ، نحن نحب ونحتاج جيشنا، وسنمنحه أكثر مما يطلب".

ويتركز النقاش بشأن الميزانية العسكرية على قضايا عدة، من أهمها التخطيط للاحتياجات المستقبلية من أسلحة وعتاد للقوات الأميركية.
الحسابات الانتخابية لأعضاء الكونغرس تؤثر على مواقفهم من المخصصات العسكرية (رويترز)

الحاجات والضغوط
وبسبب تركيز أعضاء الكونغرس على قضايا تهم دوائرهم الانتخابية، مثل الحفاظ على وظائف، أو الإبقاء على قواعد عسكرية لا حاجة لها يتم زيادة المخصصات العسكرية سنويا حتى مع عدم وجود مبرر لذلك.

ومن الأمثلة الواضحة ما يتعلق بخطوط إنتاج المدرعات والدبابات التي لم تعد هناك حاجة عملية لدى القوات الأميركية لاقتناء المزيد منها.

ويحاول الجيش الأميركي أن يقنع الكونغرس بعدم وجود حاجة للحصول على المزيد من الدبابات والمدرعات وحاملات الطائرات، إلا أن الكونغرس يخصص مليارات الدولارات من أجل اقتناء المزيد كما تذكر المسؤولة السابقة بالبيت الأبيض جيسيكا ماثيو في دراسة حديثة نشرتها "نيويورك رفيو أوف بوكس".

وتقوم ماكينة معقدة بجهود اللوبي والضغط على أعضاء الكونغرس للحفاظ على حجم ميزانية الدفاع أو زيادتها.

وإضافة إلى شركات السلاح الكبرى التي تسعى لمضاعفة تعاقداتها مع الحكومة الأميركية، شهدت واشنطن وجود مراكز بحثية عدة تدعم وتدافع عن تضخم الميزانية العسكرية.

ويشير "مركز التقييم الإستراتيجي والموازنة" إلى أن الولايات المتحدة "تواجه مجموعة متجددة من التحديات الأمنية، منها انتشار الأسلحة التقليدية المتقدمة، وانتشار التكنولوجيا النووية، وزيادة المنافسة من قوى عسكرية كبرى، ومخاطر تهديدات الجماعات الإرهابية".

وخلال الأعوام الماضية تم تخصيص ما بين 3 إلى 4% من قيمة الناتج القومي الإجمالي للإنفاق العسكري.

ويرى هذا التيار أنها نسبة معقولة مقارنة بـ40% أثناء الحرب العالمية الثانية، و15% أثناء حرب كوريا 1950-1953، و10% في ستينيات القرن الماضي.

يذكر أن الميزانية العسكرية الأميركية تتخطى إجمالي ميزانيات الدفاع لأكبر عشر دول من حيث الإنفاق العسكري، وهي الصين والسعودية وروسيا والهند وبريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية والبرازيل.

ولا يتطرق الحديث داخل أروقة العاصمة الأميركية إلى انخفاض معدل التهديد للولايات المتحدة مع احتفاظها بأقوى جيوش العالم وأكبر ميزانية عسكرية، ويتم التركيز بدلا من ذلك على زيادة التهديدات، وارتفاع حجم المنافسة الإستراتيجية من الصين، ناهيك عن انتشار بؤر توتر عالمي، مثل كوريا الشمالية وفنزويلا والخليج العربي، إضافة إلى التهديدات الإرهابية.

ويخشى الحزب الديمقراطي من أن يصنف أنه أقل حماسا من الحزب الجمهوري فيما يتعلق بتمويل القوات المسلحة الأميركية، كما يتجاهل الجمهوريون أزمة عجز الموازنة عند الحديث عن الميزانية العسكرية، ويدفع العاملان السابقان إلى ضمان الزيادة السنوية في المخصصات العسكرية.

ومنذ تولي الرئيس ترامب مهام منصبه في يناير/كانون الثاني 2017 شهدت الميزانية العسكرية الأميركية زيادة مقدارها 100 مليار دولار على الرغم من تعهد ترامب بعدم التورط في مغامرات خارجية.

وجاءت هذه الزيادة على عكس ما توقع الكثير من الخبراء بأن تتأثر الميزانية العسكرية بناء على نتائج انتخابات الكونغرس لعام 2018 التي أدت لسيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب ودخول الكثير من الأعضاء التقدميين الذين لا يحبذون زيادة الإنفاق العسكري، إلا أن ذلك لم يحدث.

المصدر : الجزيرة