عـاجـل: رئيسة مجلس النواب الأميركي تنتقد قرار ترامب تسريع بيع الأسلحة وإرسال قوات إضافية إلى السعودية والإمارات

اعتبرها الأخطر في تاريخ الجزائر.. بن فليس يحذر من إطالة الأزمة

علي بن فليس يتحدث عن شروط الحوار وخطوات استعادة الأموال المهربة (الجزيرة نت)
علي بن فليس يتحدث عن شروط الحوار وخطوات استعادة الأموال المهربة (الجزيرة نت)

إسلام عبد الحي-الجزائر

حذر رئيس الحكومة الجزائرية السابق علي بن فليس من إطالة عمر الأزمة، الانسداد السياسي الذي يهدد استقرار البلاد، مؤكدا أن الحل يكمن في إجراء انتخابات رئاسية شفافة وفي آجال معقولة. 

وفي حوار أجرته معه الجزيرة نت قال رئيس حزب "طلائع الحريات" على بن فليس إن الحوار الوطني الذي يبحث عن آليات الخروج من الأزمة التي تمر بها الجزائر "لا يمكن له أن يقوم إلا على أساس تطلعات ومطالب الحراك الشعبي وتجسيدها". مشيرا إلى أن النظام السابق هدم كل مؤسسات الدولة، ولم تنج إلا المؤسسة العسكرية التي يعول عليها لمعالجة الأزمة. 

وفي ما يلي نص الحوار:
 
ما تقييمك لمنتدى الحوار الوطني الذي شاركت فيه يوم السادس من الشهر الجاري؟ وكيف تفاعلت السلطة مع مخرجات الندوة؟

الأرضية المفصلة والكاملة التي صدرت عن المنتدى الوطني للحوار مبادرة واقعية وهادفة، وبإمكانها الإسهام الفعلي في تجاوز الانسداد السياسي-الدستوري الحاصل، ودفع عجلة الحوار الوطني؛ فهذه الأرضية تناولت مشروع الحوار الوطني من منطلقاته إلى آلياته، مرورا بإطاره وأهدافه وجدول أعماله، وعرضت مقترحات دقيقة بخصوص كل موضوع من هذه المواضيع.

ففي ما يتعلق بالمنطلقات، شددت الأرضية على ضرورة تنقية الأجواء التي يعكر صفوها انعدام الثقة والتشكيك والارتياب، لفسح المجال واسعا أمام حوار وطني يثبت جديته ومصداقيته ويحظى بالثقة والتوافق.

وضمنت عملية تصفية الأجواء هذه جملة من التدابير اللازمة، من بينها إخلاء سبيل المعتقلين من الناشطين في الحراك الشعبي، والكف عن كل أنواع المضايقات التي يتعرض لها الحراك ذاته، واحترام حق التظاهر والرأي والتعبير والعدول عن غلق أبواب الوسائط السمعية-البصرية، لا سيما العمومية منها، في وجه العديد من الفعاليات السياسية، ومنع الفاعلين السياسيين من تنظيم ندوات ولقاءات فكرية وجلسات لمناقشة أوضاع البلد وإبداء الرأي فيه.

وعن إطار الحوار الوطني فيجب أن يقوم على أساس التطلعات والمطالب العادلة والمشروعة المعبر عنها من قبل الحراك الشعبي، كما لا يمكن له أن ينساق في سياق آخر غير سياق الاستجابة لها وتجسيدها.

أما عن أهداف الحوار الوطني، وهدف إحاطة الاستحقاق الرئاسي بكل الشروط السياسية والمؤسساتية والقانونية الضامنة لشفافيته ومصداقيته ونزاهته، فقد حددت الأرضية كل المواصفات الواجب توفرها في السلطة التي ستوكل إليها مهام تحضير وتنظيم ومراقبة المسار الانتخابي الرئاسي في كامل أطواره، وبالموازاة شخصت الأرضية التعديلات المنتظر إدخالها على القانون المتعلق بالنظام الانتخابي.

ولم يكن الوصول إلى بلورة هذه الأرضية أمرا هينا، بل تطلب جهودا مضنية وتنازلات متبادلة وخطوات من كل الأطراف؛ للوصول إلى نقاط تلاق وقواسم مشتركة؛ وهذا ما يجعل منه إسهاما ثمينا ومبادرة يجب أن تقدر حق قدرها.
     
في ظل دعوة السلطة والجيش إلى الحوار من أجل تشكيل سلطة مستقلة لتنظيم الانتخابات، هل ستشارك في الحوار مع السلطة؟

الحوار الوطني -كما هو مطروح اليوم- لم يعد حوارا بين السلطة والقوى السياسية الأخرى، فهذه المحاولة تمت في وقت سابق ومنيت بفشل ذريع، إذ إن الأغلبية الساحقة من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووجوه من رحم الحراك الشعبي وشخصيات وطنية قد رفضت رفضا باتا التحاور مع رموز النظام السياسي القديم، التي لا تزال في قيادة المؤسسات الدستورية.

و يبدو أن الرسالة الموجهة للأمة من قبل رئاسة الدولة في الثالث من يوليو/تموز الماضي قد اتعظت بدروس هذه المحاولة الخائبة، واهتدت إلى رفع يدها كلية عن الدعوة للحوار، وكذا عن قيادته وتسييره، فالحوار المرتقب اليوم هو حوار تشرف عليه وتنظمه شخصيات وطنية ذات استقلالية ومصداقية؛ فحوار كهذا لا يمكن أن يواجه بالرفض شريطة أن تسبقه وتعبد له الطريق الصحيح عملية التهدئة وتنقية الأجواء المعكرة حاليا.  
 
ما شروط نجاح هذا الحوار؟
يمكن تلخيص تلك الشروط في ستة تدابير جوهرية، وهي: إجراءات التهدئة وإعادة الثقة لتصفية الأجواء المفعمة بالشكوك والارتياب، وتكليف مجموعة من الشخصيات الوطنية ذات استقلالية ومصداقية بالإشراف وقيادة وتسيير الحوار، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية تزيد مسار الحوار قوة وثقة ونجاعة، وإحداث سلطة انتخابية تحضر وتنظم وتشرف وتراقب كامل المسار الانتخابي الرئاسي، وتعديل قانون الانتخابات في تدابيره المتعلقة بالانتخابات الرئاسية، وإجراء الانتخابات الرئاسية في آجال أقصاها ستة أشهر.

هذه هي الشروط الواجب توفيرها لتجاوز الانسداد السياسي-الدستوري القائم والإسراع بإخراج البلد من الأزمة السياسية والمؤسساتية والدستورية التي يواجهها.

وما يزيد الطابع الحيوي لهذا الحوار، وما يجعل منه ضرورة ملحة للوصول إلى تسوية سريعة ونهائية للأزمة؛ هو ظهور بوادر جلية لتلاقي الأزمة السياسية بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والتدهور المستمر للأوضاع الاجتماعية للبلد، فتلاقي هذه الأزمات واجتماع تراكماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد يخرج الأمور عن مجال التحكم والسيطرة.  
 
يرى كثيرون أن المؤسسة العسكرية هي السلطة الفعلية الحقيقية التي تتحكم في القرار. في اعتقادك هل دورها في هذه الحالة معرقل أو متسق مع مطالب الحراك؟

من بين كل ما ألحقه النظام السياسي القديم من خسائر فادحة وأضرار هدامة يتصدر سجله الممقوت هذا هدم المؤسسات الدستورية للبلد، والبلد يواجه أخطر أزمة في تاريخه فلا رئاسة الدولة أثبتت قدرتها وجدارتها على التكفل بها، ولا مجلس الأمة قام ولو بخطوة يسهم من خلالها في فض هذه الأزمة، ولا المجلس الشعبي الوطني سمع له صوت وسجل له وجودا في معالجة هذه الأزمة؛ ولا المجلس الدستوري كلف نفسه عناء مد يد معاونة لإخراج البلد من هذه الأزمة الداهمة التي مست الدولة الوطنية في أركانها.

وبعد التصحر المؤسساتي الممنهج الذي أنتجه النظام السياسي القديم؛ لم تفلح في النجاة منه سوى المؤسسة العسكرية التي بقيت قائمة ومتماسكة ومضطلعة بواجباتها الدستورية، وحبذا لو كانت المؤسسات الأخرى في الموقع نفسه وأقنعت الجميع بأنها في مستوى التحديات الراهنة حتى توجه الأنظار نحوها، ويعترف لها بحق المبادرة ويعول عليها دون سواها لمعالجة الأزمة وتسويتها.

ففي غياب هذه المؤسسات عن المشهد السياسي، وبالنظر إلى فقدانها الكامل للثقة والمصداقية والشرعية؛ باتت المؤسسة العسكرية تتحمل ثقل ضمان استقرار الدولة الوطنية وديمومتها، هذا على الصعيد الدستوري والمؤسساتي، أما على الصعيد السياسي فإن المؤسسة العسكرية قد اختارت الانحياز إلى الحراك الشعبي والاصطفاف في صفه، كما أنها تعهدت بمرافقته حتى تحقيق مطالبه الشرعية كاملة غير منقوصة.

فإذا كان الحراك الشعبي هو من ثار سلميا في وجه النظام القديم وطالب بالقطيعة الجذرية معه، ودبر لإسقاطه بواسطة مسيرات سلمية قل نظيرها، فإن المؤسسة العسكرية أسهمت بقسط كبير في تحقيق مطالبه والقرائن والدلالات على ذلك كثيرة.

مجمل القول في هذا الموضوع إن المؤسسة العسكرية لم تكن معرقلا لمطالب الحراك، بل على العكس تماما، فإنها أعلنت صراحة تخندقها معه في خندق واحد وساعدت على تلبية مطالبه بقسط لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.  
 
هل ستشارك في الانتخابات الرئاسية القادمة؟

يقول المثل "تقطع الجسور بعد الوصول"، فقرار كهذا لا يقبل التسرع في اتخاذه، ولا ينبغي أن يكون سابقا لأوانه؛ فالأولوية اليوم هي الاتفاق على الذهاب لانتخابات رئاسية كمخرج سريع ونهائي للأزمة الراهنة، وعلى إجراء هذا الاستحقاق في ظروف وشروط لا تقبل الطعن في شفافيتها ونزاهتها وصدقها ومصداقيتها.

وإذا توفرت هذه الشروط ستكون لي في ظلها فرصة التفكير في الترشح للرئاسيات المقبلة من عدمه، لا الهروب من المسؤولية ولا الإخلال بالواجب ولا الخوف من التحديات من مكونات شخصيتي ولا تنطوي مسيرتي ولو على ذرة منها، فعند اتخاذ قراري سأتحمل المسؤولية كاملة وسأقوم بالواجب بكل تفان وإخلاص ولن يكون في نفسي مكان للتردد أمام حجم الرهانات وعظمة التحديات،

يطالب جزائريون برحيل بن صالح وبدوي هل أنت مع هذا الحل؟ وكيف يمكن تغييرهما بشخصيات أخرى في إطار الدستور؟

المطالبة الشعبية برحيل رموز النظام القديم التي لا تزال تتحكم في أهم مؤسسات الجمهورية مطالبة مشروعة، فمجرد رؤية هذه الرموز باقية في هذه المؤسسات العالية من المسؤولية يكون لدى الجزائريات والجزائريين القناعة بأنه لا شيء تغير، وأن النظام السياسي القديم الذي يريدون التخلص منه ومحوه من ذاكرتهم لا يزال قائما يتعافى ويسترجع أنفاسه للعودة بقوة.

ومن جهة أخرى، يستحيل إقناع المواطنين بأن رموز النظام القديم مؤهلة وقادرة على المساعدة في بناء النظام السياسي الجديد الذي يصبون إليه. ومن جهة ثالثة فإن بقاء ما اصطلح على تسميته "فلول النظام القديم" يعرقل السير الحسن لمؤسسات الدولة التي يشرفون عليها، ويحول دون تأدية مهام تصريف الأعمال الموكلة لها.

ولقد تطرقت الأرضية التي تبناها المنتدى الوطني للحوار هذه المعضلة وعالجتها بإدراجها في بند الشروط السياسية الواجب توفيرها لإجراء الانتخابات الرئاسية، فيمكن إذا أن يتناول الحوار الوطني موضوع ذهاب هذه الشخصيات، وأن يتفق على صيغة عملية وناجعة سياسيا ودستوريا للفصل في هذا الموضوع الشائك والمعقد.    
 
بصفتك رجل قانون ووزير عدل سابق، ما قراءتك لحملة مكافحة الفساد وسجن رجال الأعمال والوزراء؟ وهل هي تصفية حسابات؟

ما يسمى تخفيفا وتلطيفا "الفساد" هو في حقيقة أمره إجرام سياسي واقتصادي ومالي، وهذه التسمية أصح وأقرب للواقع لما نرى حجم الدمار الذي ألحق بالبلد ومستويات المسؤوليات التي تقلدها المتسببون فيه.

ومع احترامي مبدأ قرينة البراءة ودون استباق نتائج التحقيقات الجارية حاليا، وما نراه اليوم بأم العين هو أن منظومة سياسية بأكملها جعلت الإجرام السياسي والاقتصادي والمالي محركا لها تعبئ بواسطته والولاءات والروافد والدعائم،  فالإجرام السياسي تحالف مع الإجرام الاقتصادي والمالي وربط معه شراكة إستراتيجية بأكمل مواصفاتها ومعانيها، والشكر كل الشكر للحراك الشعبي الذي لولاه لاستمر النظام السياسي القديم في عملية الاستنزاف اللامتناهي لمقومات وقدرات وخيرات الأمة.

ومن وجهة نظري، فإن عملية تجفيف منابع الإجرام السياسي والاقتصادي والمالي واقتلاع جذوره أينما ضرب، هي بمثابة عملية إنقاذ وطني حقيقي، وإذا أردنا أن ترقى إلى هذا المستوى فعلا وعملا فيجب عليها أن تتجنب الظرفية والانتقائية والثأرية، كما يجب عليها أن تتسم بالشفافية التي يسمح بها القانون.

غير أنني أنصح بعدم التسرع في إصدار أحكام نهائية في حق هذه العملية، فهي في أطوارها الأولى، ولا يمر يوم إلا وطالعتنا أخبار قوافل من المسؤولين الذين يمثلون أمام العدالة بتهمة القيام بأعمال أو تصرفات يعاقب عليها القانون، فالعملية إذا في بدايتها ولن تنتهي حتى يتسنى لنا التيقن من طابعها الشامل أو الانتقائي.
     
يقدر الخبراء تهريب نحو مئتي مليار دولار خارج الجزائر، هل يمكن استرجاعها؟ وما الآليات التي يمكن اتباعها؟

لا يعلم أحد الأرقام يقينا، لكن الأضرار التي تكبدها الاقتصاد الوطني والخزينة العمومية واحتياطي الصرف جسيمة، وعندما يتعلق الأمر بالأموال الطائلة التي هربت نحو الخارج فإن عملية استرجاعها في درجة عالية من الصعوبة والتعقيد، ولنا أصدق شاهد على ذلك في تجربة الدول التي سبقتنا في محاولة استرجاع الأموال التي نهبت منها، ووجدت ملاذا لها في الخارج؛ فالأمر -إذن- صعب لكنه ليس مستحيلا إذا أحيط بكل شروط الدقة والجدية والصرامة في التخطيط والتحضير والتنفيذ.

ومن وجهة نظري، هناك ست خطوات لا بد من القيام بها: الخطوة الأولى هي "التوطئة السياسية–الدبلوماسية"، من خلال ربط اتصالات رسمية مع كل الدول التي تظهر التحقيقات الجارية أنها اختيرت كملجأ للأموال المهربة، والهدف هنا يكمن في إقناع هذه الدول بالتعاون الصادق والنزيه مع بلدنا في مسعاه الرامي إلى استرجاع الأموال المنهوبة منه.

أما الخطوة الثانية فإنها تتعلق بإيفاد طاقم من القضاة المعنيين بهدف ملاقاة نظرائهم في البلدان التي توجد فيها الأموال المهربة لمعرفة الشروط التي يجب أن تخضع لها الملفات المقدمة شكلا ومضمونا.

والخطوة الثالثة هي تحضير وتقديم ملفات في منتهى الجدية والصلابة للشركاء الأجانب؛ فالمعروف أن أبسط إخلال شكلي أو إجرائي بإمكانه أن يبطل العملية برمتها؛ ومن هنا يتبين الدور المحوري للتحقيقات والمحاكمات التي تقدم على أساسها الملفات، والتي يتوجب ألا تترك أي ثغرة دون سدها حتى لا يأخذ منها الطرف الأجنبي المعني ذريعة للتنصل من واجباته.

والخطوة الرابعة هي تفعيل كل الاتفاقيات الثنائية التي تربط البلد بدول أجنبية في مجال التعاون القضائي، وهي الاتفاقات التي تلزم الأطراف المتعاقدة بمد يد المساعدة لبعضها البعض، لا سيما في مجالات تهريب الأموال أو تبييضها أو دفعها في شكل رشاوي.

أما الخطوة الخامسة فيمكن القيام بها من خلال اللجوء إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، التي تضم نحو 130 دولة، والتي تؤطر التعاون متعدد الأطراف للحد من استشراء آفة الفساد، والخطوة السادسة -إذا اقتضت الحاجة- هي اللجوء إلى مكاتب دولية متخصصة في البحث والاستقصاء في مجال تهريب الأموال. وهي الخطوة التي قامت بها في الماضي بعض الدول المتضررة، والتي أبانت مستويات من الفاعلية والنجاح لا يستهان بها.

وكل هذه الخطوات بإمكانها التقليل النسبي من صعوبة استرجاع الأموال المهربة، لكنها تتطلب الصبر وطول النفس والمتابعة دون هوادة.

المصدر : الجزيرة