قانون الانتخابات التونسي دون ختم السبسي.. أزمة عارضة أم مناورة سياسية؟

السبسي أثناء توقيعه على مرسوم دعوة الناخبين للاقتراع (الجزيرة)
السبسي أثناء توقيعه على مرسوم دعوة الناخبين للاقتراع (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس

أزمة دستورية تحلق في الأفق السياسي بتونس قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إذ انتهت الآجال الدستورية منتصف ليل الجمعة دون أن يوقع الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي على التعديلات الأخيرة التي شملت القانون الانتخابي.

وكان البرلمان قد أقر التعديلات مؤخرا، ثم صادقت عليها هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين، إلا أن توقيع الرئيس على القانون الجديد من عدمه لا يزال دون تأكيد أو نفي.

واختلف خبراء القانون الدستوري حول المسألة، حيث اعتبر البعض أن عدم ختم الرئيس التونسي مخالفة للدستور، بينما يخشى آخرون أن ختمه بعد الآجال قد يطبق على المرشحين في الانتخابات الرئاسية ويستثني مرشحي الانتخابات التشريعية، وهو ما يمكن أن يخلق بلبلة. غير أن فريقا ثالثا ذهب إلى القول بأن القانون يُعتبر في حكم "المُلغى" إذا لم يختمه الرئيس.

لم يظهر الرئيس منذ عشرين يوما مما دفع التونسيين إلى التساؤل (الأناضول)

إجراء وقائي
ودعت الهيئة المستقلة العليا للانتخابات في تونس أمس الجمعة، مكاتبها في جميع الولايات إلى تطبيق القانون الانتخابي القديم، وعدم إدراج التعديلات الجديدة والاستفتاء المنقح عام 2017، في صورة ختم الرئيس السبسي للقانون ونشره في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) كما ينص على ذلك القانون.

وأكد عضو هيئة الانتخابات محمد المنصري في تصريح للجزيرة نت أنّ "الهيئة قامت بتكوين الهيئات الفرعية في كامل الدوائر الانتخابية التي تبلغ 33 دائرة انتخابية، وفقا للقانون المنقح سنة 2017، لقبول ملفات المترشحين بدءا من 22 يوليو/تموز إلى غاية 6 أغسطس/آب منه بحسب القانون القديم".

وأشار المنصري إلى أن "التعديلات الجديدة التي أقرها البرلمان التونسي تعتبر في نظر الهيئة مجرد مشروع قانون، لأنها إجراءات شكلية تفترض الختم ونشره في الرائد الرسمي، مبينا أن الهيئة ليس لها صلاحية للعمل وفق قانون غير ساري المفعول، وبالتالي فهناك غموض وضبابية أمام الهيئة التي كان يفترض أن تقدم إيضاحات للمترشحين قبل مدة من تقديم ملفاتهم".

نواب البرلمان التونسي عدلوا القانون الانتخابي لكن الرئيس لم يصادق عليه (الجزيرة)

مسألة معقدة
واعتبر المنصري أن المسألة معقدة أمام الهيئة التي ستعمل على تطبيق القانون الانتخابي الجديد فور صدوره في الرائد الرسمي، إذ يمكن أن تلغي نتائج مترشحين وتطالبهم بالامتثال والالتزام بالتعديلات التي أقرها البرلمان.

وشمل التعديل الذي يقصي عديد المرشحين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، بعد مصادقته على فصول تتعلّق بشروط التقدّم إلى الانتخابات الرئاسيّة عبر رفض ترشّح نتائج كل من ثبت قيامه بالإشهار السياسي أو استفادته منه، عبر جمعية خيرية أو قناة تلفزيونية.

كما يرفض القانون الانتخابي الجديد ترشيح كل من يثبت قيامه بخطاب لا يحترم النظام الديمقراطيّ وقيم الدستور، وكل من يدعو إلى العنف والتمييز بين المواطنين، أو من يمجّد انتهاكات حقوق الإنسان.

وأقرّ التعديل نسبة عتبة لا تتجاوز 3% في الانتخابات التشريعية، واشترط على أي مترشح إلى الانتخابات تقديم ثلاث بطاقات تثبت خلوّ سجلّه من أيّ سوابق أو ملاحقات قضائية.

هيئة الانتخابات ستعتمد القانون الانتخابي القديم (الجزيرة)

مصالح سياسية
وتباينت مواقف الأحزاب والمنظمات من التعديلات المقترحة بين من يراها تمنع الأحزاب الصغيرة من دخول قبة البرلمان، وتقصي مرشحين تصدروا نوايا التصويت، في حين اعتبر آخرون أنها جاءت لتمنع استغلال الجمعيات ووسائل الإعلام عواطف وفقر الناس خدمة لمصالح سياسية.

وقال الناطق الرسمي باسم حزب التكتل (المعارض) خليل الزاوية في حديثه للجزيرة نت أنه لابد للرئيس السبسي أن يتوجه بكلمة للتونسيين الذين انتخبوه، من أجل تفسير قراره، مشيرا إلى أن عدم توقيعه على التعديلات قد يفتح باب التأويلات على مصراعيه، في ظل غياب محكمة دستورية تراقب صلاحياته الدستورية.

في سياق متصل، أكد القيادي بحركة النهضة سامي الفطناسي في حديثه للجزيرة نت، أن امتناع ختم الرئيس كان في إطار مناورة سياسية للتلاعب بالقانون والتعديلات.

من جهته اعتبر القاضي الإداري أحمد صواب أن امتناع الرئيس السبسي عن توقيع التعديل مخالفة صريحة للدستور تقتضي توجيه لائحة عزل للرئيس حسب أحكام الدستور التونسي، مبينا أنه كان الأجدر بمستشاريه أن يوضحوا الأسباب التي منعته من توقيع الاتفاقية وارتباطها بحالته الصحية.

وأشار أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، أنه "عند تجاوز آجال الختم المنصوص عليها بالفصل 81، يعتبر القانون مختوما بحكم النصّ الدستوري حتى لو لم يمضه رئيس الجمهورية ماديا، وكذلك الأمر بالنسبة للنشر"، مبينا أن أي تأويلات خلاف لذلك تعد خرقا للدستور.

أين الرئيس؟
وأثار عدم إمضاء الرئيس السبسي أسئلة واستفهامات كثيرة في الأوساط السياسية والشعبية عن عدم ظهوره بعد تماثله للشفاء إثر وعكة صحية وصفت بالحادة، وحول سبب صمته وعدم اتخاذه أي موقف معارض للتعديلات، فقد كان بإمكانه أن يرد القانون إلى البرلمان أو يدعو للاستفتاء عليه في أجل خمسة أيام.

وفي حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "#أين الرئيس؟"، عبر نشطاء تونسيون عن استغرابهم من غياب السبسي (92 عاما) الذي كان آخر ظهور له يوم 5 يوليو/تموز الجاري، عندما ظهر في مقطع فيديو قصير وهو يوقّع الأمر الرئاسي المتعلق بدعوة الناخبين إلى الانتخابات.

وطالب التونسيون مؤسسة الرئاسة بضرورة تقديم توضيحات حول غياب الرئيس وامتناعه عن ختم القانون الانتخابي في مخالفة واضحة للدستور.

يشار إلى أن السبسي تعرض إلى وعكة صحية "حرجة" نهاية الشهر الماضي، نُقل على إثرها إلى المستشفى العسكري في العاصمة تونس، حيث تلقى العلاج ثم غادر.

المصدر : الجزيرة